إجراءات ماليّة خاصّة في مشروع موازنة 2027 -- Sep 09 , 2026 20
من المفترض أن يواظب مجلس الوزراء خلال الأسبوع الراهن، وفي جلساتٍ متتالية، على مناقشة مشروع موازنة 2027، قبل إحالته كمرسوم مشروع قانون إلى مجلس النوّاب. وكان لافتاً تضمين المشروع، كما أعدّته وزارة الماليّة، بعض الإجراءات الماليّة الخاصّة، التي تستهدف الضبط المالي وزيادة الإيرادات ومكافحة التهرّب الضريبي. وفي حين تناولت بعض هذه الإجراءات علاقة الخزينة العامّة بالمكلفين ضريبياً، انطوى بعضها الأخرى على أحكام تتصل بعمل المؤسّسات العامّة والمرافق الحكوميّة، خصوصاً تلك التي يفترض أن تدر الإيرادات العامّة لمصلحة الدولة.
في هذا المقال، تتناول "المدن" أبرز هذه الإجراءات والأحكام الماليّة الخاصّة، التي جرى إدراجها ضمن مشروع موازنة 2027.
تشديد السيطرة على إيرادات المرافئ
يشمل مشروع الموازنة بعض البنود التي تشدّد سيطرة الحكومة على إيرادات المرافئ. إذ ينص المشروع على آليّة تفرض على إدارات مرافئ بيروت وطرابلس وصيدا وصور تحويل الإيرادات المتأتية من خدماتها، إلى حساب الخزينة لدى مصرف لبنان، ضمن مهل شهريّة محدّدة، وذلك بعد حسم النفقات التشغيليّة المسموح بها.
بذلكَ، يصبح الفائض المحقّق من المرافئ خاضعاً لسيطرة الحكومة بعد تحقيقه، بدل أن يبقى تحت سيطرة إدارات المرافئ. أمّا الإنفاق الرأسمالي أو الاستثماري، من هذه الإيرادات، فيكون خاضعاً لموافقة مجلس الوزراء في مرحلة لاحقة، ضمن آليّة خاصّة. ولهذا الموضوع أبعاداً هامّة، لكونه يضمن انتظام تحويل الفوائض المحقّقة لمصلحة الخزينة، بدلاً من تراكمها بيد الإدارات لتمويل نفقات مستقبليّة.
الخدمات مقابل الامتثال الضريبي
يعطي مشروع الموازنة مجلس الوزراء، بناءً على اقتراح وزير الماليّة، إمكانيّة توجيه طلبات لإدارات أو جهات عامّة، تقضي بالامتناع عن إنجاز خدمات أو معاملات لأشخاص لم يسددوا الضرائب والرسوم المتوجبة عليهم. وعلى هذا الأساس، سيصبح بإمكان الحكومة ربط خدمات إداريّة محدّدة بتسوية الوضع الضريبي، للشركات أو الأفراد المتخلّفين عن الدفع. وإذا جرى إقرار النص كما هو، فستتجاوز هذه الصلاحية موازنة 2027 وحدها، لأنها ستعدّل بصورة دائمة العلاقة بين المكلّف والإدارة، وستسمح باستحداث أصول جديدة للمعاملات الإداريّة.
وتجدر الإشارة إلى أن وزارة الماليّة كانت قد قامت مؤخراً بتجربة من هذا النوع، حين أوقفت المعاملات الجمركيّة للشركات المتخلفة عن تسديد الضرائب للخزينة العامّة، وهو ما دفع الشركات للمسارعة إلى تقديم تصاريحها الضريبيّة خلال وقتٍ قصير.
المستفيدين من الإعفاءات الضريبيّة
شمل مشروع الموازنة تعديلاً على المادّة 18 من قانون ضريبة الدخل، بالنسبة للمستفيدين من الإعفاءات الضريبيّة. فالمشروع أعاد التأكيد على ضرورة تقديم التصاريح والبيانات السنويّة المطلوبة، حتّى بالنسبة للشركات والأشخاص المستفيدين من إعفاءات أو استثناءات ضريبيّة خاصّة. والأهم هنا، هو الجزاء الذي نص عليه المشروع، في حال لم يتم تقديم هذه التصاريح أو البيانات. فالتعديل ينص على فقدان الشركة أو الشخص حقّه في الإعفاء أو الاستثناء عن السنة التي وقعت فيها المخالفة، بالإضافة إلى الغرامات التي ينص عليها قانون الإجراءات الضريبيّة.
ومن الناحية العمليّة، ستسمح هذه التصاريح والبيانات، عند تقديمها، بالتحقّق من أهليّة المكلّف للاستفادة من الإعفاءات أو الاستثناء. كما ستسمح بكشف أي عمليّة تحايل قد تهدف إلى إخفاء أنشطة خاضعة للموجبات الضريبيّة، تحت ستار الإعفاءات الممنوحة لفئات معيّنة.
شركات الهولدينغ والأوف-شور
تتضمن مشروع الموازنة تعديلاً مهماً بالنسبة لشركات الهولدينغ والأوف-شور. إذ سمح المشروع لهذه الشركات بأن يكون رأسمالها محدداً بالعملة الأجنبيّة، وتحديداً اليورو أو الدولار الأميركي. وفي هذه الحالة، يتوجّب على الشركة أن تمسك سجلاتها وميزانيّاتها بالعملة الأجنبيّة. ونص المشروع على تحديد الضريبة السنويّة المقطوعة على شركات الهولدينع عند مستوى 200 مليون ليرة لبنانيّة، على أن تكون هذه الضريبة بالعملة الأجنبيّة، وبما يعادل هذا المبلغ، في حال كانت السجلات والميزانيّات ممسوكة بالعملة الأجنبيّة.
ومن المعلوم أن شركات الهولدينغ تؤسّس عادةً بهدف تملّك أسهم وحصص في شركات أخرى، بينما تُخصّص شركات الأوف-شور لممارسة أنشطة التجارة الخارجيّة. وستسمح هذه التعديلات لهذا النوع من الشركات بمواءمة تصاريحها وميزانيّاتها مع عملة نشاطها الفعلي، ما يزيد من دقّة هذه البيانات، بدلاً من استعمال أسعار صرف متباينة خلال فترات زمنيّة متعدّدة لإعداد البيانات بالعملة المحليّة.
مقدمي الخدمات الرقميّة في الخارج
ومن التعديلات اللافتة في المشروع، محاولة توسيع المظلة الضريبيّة، لتشمل الخدمات الإلكترونيّة والرقميّة التي تقدمها شركات غير مقيمة في لبنان، حتى في حال عدم امتلاكها حضوراً مباشراً داخل البلاد. فالمشروع يفرض على مقدم الخدمة غير المقيم تعيين ممثّل مقيم في لبنان، لتنفيذ الالتزامات الضريبيّة المرتبطة بهذه الخدمات. وفي حالات معينة، يمكن أن ينتقل موجب التصريح أو تسديد الضريبة إلى المستفيد من الخدمة الموجود في لبنان.
وبهذه الآليّة، يحاول المشروع معالجة واحدة من الثغرات التي يطرحها توسّع الاقتصاد الرقمي. فكون الشركة التي تبيع الخدمة موجودة في الخارج، لا يعني أن العمليّة تقع خارج نطاق النظام الضريبي اللبناني، طالما أن الخدمة تُستهلك ويستفيد منها عميل موجود في لبنان. بذلكَ، يفتح المشروع الباب أمام إخضاع شريحة أوسع من الخدمات الرقمية العابرة للحدود للموجبات الضريبيّة المحليّة، مع توزيع مسؤوليّة الامتثال، بين المورّد الأجنبي ومتلقي الخدمة في لبنان.
في المحصّلة، بدا واضحاً من كل هذه الإجراءات أن وزارة الماليّة تسير باتجاه زيادة رقعة الامتثال الضريبي، ما قد يمهّد لزيادة جديدة في حجم الإيرادات العامّة، تماماً كما جرى خلال هذا العام والعام الماضي. لكن المفارقة الأساسيّة تبقى في حجم الإصلاحات الدائمة، التي يجري تمريرها من بوابة مشروع قانون موازنة سنوي. فالكثير من هذه المواد لا يتصل فقط بحسابات العام 2027، بل يعدّل قوانين وأنظمة قائمة، ويغيّر التزامات الشركات والمكلفين، وعلاقتهم بالإدارة على المدى الطويل.
علي نور الدين - المدن