مصرف لبنان يفتح الصندوق الأسود… المصارف أمام الخسائر والقضاء! -- Sep 09 , 2026 148
لم يسأل مصرف لبنان المصارف أين استثمرت الأموال فقط، بل بدأ يسأل: كم بقي منها، من تقاضى الرسوم، ما القيمة الحقيقية للاستثمارات، ومن سيعيد الأموال إذا ثبتت المخالفات؟
هذه هي الخلاصة الأخطر للتعميم الوسيط رقم 773، الصادر في 4 أيلول 2026 والموقّع من حاكم مصرف لبنان كريم سعيد، والذي يفتح واحداً من أكثر الملفات غموضاً داخل القطاع المصرفي: مساهمات المصارف المباشرة وغير المباشرة في الشركات، ولا سيما تلك المموّلة بتسهيلات من المصرف المركزي.
فالقرار لا يأتي في سياق رقابي عادي، بل يستند إلى مراجعة قانونية وتنظيمية ومالية شاملة أجراها مصرف لبنان، وأظهرت، وفق النص الرسمي، وجود “أوجه قصور لدى بعض المصارف في ممارسة واجباتها الرقابية والإشرافية”.
وهنا تبدأ الخطورة على المصارف.
فقد أُلزمت المصارف المعنية، خلال مهلة 40 يوماً، بتقديم تقرير تفصيلي عن كل شركة ساهمت فيها، على أن تُرفع لاحقاً تقارير دورية خلال 15 يوماً من نهاية كل فصل. ويشمل التدقيق أسماء الشركات ومساهميها ومديريها، قيمة الاستثمارات، مصادر التمويل، استخدام الأموال، الخطط التشغيلية، مؤشرات الأداء، الأرباح والخسائر، الدعاوى القضائية، السيولة المتوقعة، المخاطر وخطط الخروج.
لكن الخطر المالي الأكبر يكمن في إعادة تقييم هذه الاستثمارات.
فإذا أظهرت التقارير أن بعض الحصص لا تزال مسجلة في دفاتر المصارف بقيم تفوق قيمتها الفعلية، ستضطر المصارف إلى الاعتراف بالخسائر وتكوين مؤونات إضافية. وبما أن هذه المساهمات ترتبط بأموال المصارف الخاصة، فقد تنعكس الخسائر مباشرة على رساميلها ونسب ملاءتها، في وقت يعاني فيه القطاع أساساً من فجوة مالية ضخمة.
كذلك طلب مصرف لبنان تحديد المبالغ المتوقع تسديدها إليه وتواريخ استحقاقها، ما يعني أن المركزي لا يراجع مصير الشركات فقط، بل يحضّر أيضاً لتحديد ما يمكن استرداده من التسهيلات التي منحها.
وإذا ثبت أن مصرفاً خالف الشروط أو قصّر في الرقابة على الأموال، فقد يجد نفسه أمام مطالبة بردّ التسهيلات، بالتزامن مع تسجيل خسائر في قيمة استثماراته. أي إن الضربة قد تأتي مزدوجة: خسارة الأصل من جهة، ووجوب إعادة الأموال إلى مصرف لبنان من جهة أخرى.
أما الملف الأكثر حساسية، فهو ملف الرسوم والعمولات.
فالقرار يطلب كشفاً شاملاً لرسوم الإدارة والأتعاب الاستشارية وحصص الأرباح التحفيزية ورسوم التأسيس ووكلاء الطرح ومجالس الإدارة والمحامين ومفوّضي المراقبة وسائر المبالغ التي اقتُطعت من عائدات الاستثمار.
ووضع مصرف لبنان سقفاً لرسوم الإدارة لا يتجاوز 2%، مع ربط احتسابها لاحقاً بالأموال الموظفة فعلياً وبعد حسم المساهمات المتعثرة والمؤونات المكوّنة عليها. وهذا يفتح الباب أمام التدقيق في ما إذا كانت بعض الاستثمارات قد استُنزفت بالرسوم والنفقات، فيما كانت قيمتها تتراجع أو شركاتها تتعثر.
كذلك يضع القرار تضارب المصالح تحت المجهر، إذ يفرض كشف هويات المساهمين والمديرين والجهات المولجة بالإدارة، ويطلب تحديد أي علاقة أو مصلحة قائمة أو محتملة. وقد يكشف ذلك ما إذا كانت بعض المصارف موّلت شركات مرتبطة بمساهمين فيها أو بأعضاء مجالس إدارتها، أو دفعت رسوماً إلى جهات قريبة منها، من دون رقابة كافية.
ولم يعد بإمكان المصارف اتخاذ قرارات أساسية في هذه الشركات من تلقاء نفسها. فزيادة رأس المال، ورفع المديونية، وتعديل استراتيجية الاستثمار، وبيع الأصول، وإعادة الهيكلة، ونقل الأصول إلى الخارج، وتغيير الإدارة، وتعديل الرسوم، وتنفيذ الصفقات مع الجهات المرتبطة، باتت جميعها تحتاج إلى موافقة مسبقة من مصرف لبنان.
عملياً، وضع المركزي هذه المحافظ الاستثمارية تحت وصاية مباشرة، في إشارة واضحة إلى تراجع ثقته بقدرة بعض المصارف على إدارتها ومراقبتها.
أما الرسالة الأشد قسوة، فجاءت في باب العقوبات. فالقرار يتيح فرض عقوبات إدارية من دون إنذار مسبق عند ثبوت المخالفة، كما يفتح الباب أمام ملاحقة المصرف المخالف أمام القضاء المختص.
وبذلك، لا تبقى التداعيات محصورة بميزانية المصرف، بل قد تمتد إلى مسؤولية أعضاء مجالس الإدارة والمديرين ومفوّضي المراقبة، إذا تبيّن وجود تقييمات مضخمة أو تقارير غير دقيقة أو خسائر مخفية أو تضارب مصالح أو سوء في استخدام الأموال.
وفي خطوة تقفل التجربة بصيغتها السابقة، أوقف مصرف لبنان منح تسهيلات جديدة مرتبطة بهذه المساهمات. لكن وقف التمويل قد يؤدي بدوره إلى تعثر شركات كانت تعتمد على جولات تمويل إضافية للاستمرار، ما قد يرفع خسائر المصارف ويجعل الخروج من الاستثمارات أكثر صعوبة.
المستند لا يثبت حصول اختلاس أو هدر، لكنه يكشف أن مصرف لبنان لم يعد يكتفي بما قدّمته المصارف من بيانات، وأنه يريد إعادة فتح الملف من بدايته: أين صُرفت الأموال؟ ما القيمة الحقيقية للشركات؟ من قبض الرسوم؟ ما حجم الخسائر؟ ومن يتحمل مسؤوليتها؟
الخطر الفعلي سيظهر بعد انتهاء مهلة الـ40 يوماً. فإذا كشفت التقارير استثمارات متعثرة أو تقييماً مضخماً أو رسوماً غير مبررة، فقد تواجه المصارف أربعة استحقاقات دفعة واحدة: الاعتراف بالخسائر، تكوين المؤونات، ردّ الأموال إلى مصرف لبنان، ومواجهة العقوبات أو الملاحقات القضائية.
فتح كريم سعيد الصندوق الأسود. لكن الامتحان الحقيقي يبدأ عندما تظهر الأرقام والأسماء.