قاعدة عمرها 175 عاماً في أسواق السلع بدأت في الانهيار

قاعدة عمرها 175 عاماً في أسواق السلع بدأت في الانهيار -- Sep 14 , 2026 10

في أسواق السلع، يمكن اعتبار بعض الحقائق من المسلّمات. ظلّ سعر الذهب يُعادل نحو 15 ضعف سعر الفضة على مدى أكثر من ألفي عام، منذ عهد الملك الليدي كرويسوس وحتى معيار الذهب في القرن التاسع عشر.

وغالباً ما يعتبر المتداولون التحركات الحادّة في نسبة أسعار النحاس إلى النفط مؤشرات على تحولات جذرية في الاقتصاد العالمي. ويمكن طرح حجة مماثلة بشأن النيكل والنحاس. 

يُستخدم النيكل بشكل أساسي في إنتاج الفولاذ المقاوم للصدأ المستخدم في أدوات المائدة والأجهزة المنزلية، في حين يُعد النحاس ضرورياً للأسلاك في سياراتنا الكهربائية ومراكز البيانات وأفران التحميص والغسالات. ظلّ النيكل يُسعّر بعلاوة ثابتة مُقارنةً بالنحاس منذ بدء تعدينه على نطاق واسع في منتصف القرن التاسع عشر.

قاعدة سعرية تاريخية تقترب من الانهيار
يبدو أن هذه القاعدة التي بدت وكأنها قانون من قوانين الطبيعة على وشك الانهيار. يُشير هذا التحول إلى مدى اعتماد تحول الطاقة على إمدادات النحاس التي يكتنفها عدم اليقين.

تواجه أسعار النيكل مصاعب لأن شركات التعدين نجحت، عندما احتاج العالم إلى كميات أكبر منه خلال السنوات الأخيرة، في استخراج موارد جديدة هائلة. وقد فعلت شركات التعدين شيئاً مماثلاً في العقود السابقة مع خام الحديد والألمنيوم.

 

أما النحاس، وهو عنصر لا غنى عنه مع تحول العالم نحو مزيد من الاعتماد على الكهرباء، فيثبت أنه أقل استجابةً بكثير لقوانين العرض والطلب، وهو ما يُفسّر ارتفاع سعره إلى مستوى قياسي الشهر الماضي. منذ بدء تداول النيكل في بورصة لندن للمعادن عام 1987، بلغ سعره في المتوسط نحو 2.85 ضعف سعر النحاس. خلال الأسابيع القليلة الماضية، انخفضت هذه النسبة إلى 1.17 مرة فقط، وهي أدنى علاوة مسجلة على الإطلاق.

عند بوابة المنجم، ربما انقلب ترتيب السعرين بالفعل، إذ يُمكن لمنتج النحاس العادي الآن أن يحصل على سعر أعلى للطن من منتج النيكل الإندونيسي.

طريقة الإنتاج تفسر التحول السعري
لفهم السبب، يتعيّن إلقاء نظرة على كيفية إنتاج هذين العنصرين فعلياً. لا يُعد أكبر تدفق للنيكل المستخرج حديثاً في العالم العنصرَ عالي التكرير المتداول في بورصة لندن للمعادن، بل حديد النيكل الخام (NPI)، وهو منتج منخفض الجودة يلائم تماماً احتياجات قطاع صناعة الصلب.

يتلقّى عمالقة تعدين النيكل في إندونيسيا، الذين يهيمنون على السوق، نحو 14500 دولار للطن حالياً مُقابل النيكل الموجود في حديد النيكل الخام (NPI). بالمثل، يبيع منتجو النحاس المركزات بدلاً من المعدن المكرر. تدفع لهم المصاهر سعر بورصة لندن للمعادن مطروحاً منه رسوم المعالجة والتعديلات الأخرى.

 

على الرغم من غرابة الأمر، فقد تحوّلت رسوم المعالجة والتكرير مؤخراً إلى قيم سالبة بشدة، ويرجع ذلك بدرجة كبيرة إلى أن المصاهر تحقق أرباحاً من استخراج وبيع المعادن النزرة (عناصر توجد بتركيزات ضئيلة جداً داخل الخامات والمركزات التعدينية) وغيرها من المنتجات الثانوية من المركزات.

سعر النحاس يتجاوز النيكل بـ612 دولاراً للطن
هذا يعني أن السعر الذي يحصل عليه منتجو النحاس يبلغ نحو 15112 دولاراً للطن، مُتجاوزاً ما يحصل عليه منتجو النيكل بنحو 612 دولاراً للطن. ما الذي يُحدث هذا التغيير؟ يعود جانب من ذلك إلى طبيعة الجيولوجيا وعلم المعادن. 

يُستمدّ معظم النيكل والنحاس تقليدياً من مناطق ساعد فيها النشاط البركاني القديم على تكوين رواسب من خامات الكبريتيد الغنية بتركيزات عالية من المعادن الأساسية. ولا يوجد سوى عدد قليل من هذه المواقع على كوكب الأرض.

لكن الابتكارات في عمليات المعالجة خلال العقود الأخيرة أتاحت استغلال مناطق شاسعة جديدة من خامات النيكل اللاتريتية في إندونيسيا، حيث أدت ملايين السنين من الحرارة والأمطار إلى تركّز الرواسب بالقرب من سطح الأرض.

غالباً ما تكون تكلفة تعدين هذه الخامات منخفضة، وهو أحد الأسباب التي جعلت الألمنيوم وخام الحديد، اللذين يُستمدان في نهاية المطاف من بيئات مماثلة، من أرخص المعادن الأساسية الرئيسية منذ فترة طويلة.

 

ولم يشهد النحاس ثورةً مماثلةً. تتراجع درجات تركيز الخام منذ عقود، ويبدو أن شركات التعدين تُفضل في الوقت الحالي الاستحواذ على رواسب بعضها البعض بدلاً من اكتشاف رواسب جديدة. وقد أفاد ذلك بنوك الاستثمار المتخصصة في صفقات الاندماج والاستحواذ، لكنه لا يضيف أي معدن جديد. تكتسب طفرة انعكاس الأسعار الحالية طابعاً استثنائياً لا يخلو من غرابة.

تُشير رسوم المعالجة السالبة للنحاس إلى سوق تسعى فيه المصاهر بشدة إلى الحصول على المركزات بأي ثمن. وتعوض شركات المعالجة الصينية رسوم المعالجة الهامشية للغاية من خلال استخراج الذهب والفضة وغيرها من المنتجات الثانوية.

ربما تشجع الأسعار القياسية للمعادن النفيسة هذه الشركات على إبرام شروط سخية بصورة استثنائية مع شركات التعدين. في الوقت الحالي، قد يُسهم هذا الوضع في تشكيل العلاقة السعرية بين المعدنين.

ارتفاع الكبريتيك يدعم مصاهر النحاس
يُعد حمض الكبريتيك أحد المنتجات الثانوية للنحاس، وقد قفزت أسعاره بعد أن أدت الحرب في إيران إلى قطع إمدادات الكبريت من الدول المصدرة للنفط في الخليج. ويستخدم كثير من منتجي النيكل في إندونيسيا كميات ضخمة من هذا الحمض لاستخراج المعدن.

بناءً على ذلك، يُسهم الطلب على الكبريت لمعالجة النيكل في دعم هوامش ربح مصاهر النحاس بشكل غير مباشر. وغالباً ما تخفف التحولات المقابلة في الاستهلاك من حدة مثل هذه الاضطرابات في أسواق السلع الأساسية.

شهد الطلب على النيكل نمواً يفوق بكثير معدل نمو النحاس خلال العقد الماضي، مدفوعاً في المقام الأول بقطاع الفولاذ المقاوم للصدأ ثم ببطاريات السيارات الكهربائية الغنية بالنيكل.

وإن استمر هذا الاتجاه، فقد يُستنفد إجمالي الإضافات الأخيرة في المعروض، ممّا يعيد الأسعار إلى مسار الصعود.

آفاق الطلب على النحاس
لكن آفاق الطلب على النحاس تبدو أكثر تفاؤلاً. بحسب وكالة الطاقة الدولية، يدخل العالم "عصر الكهرباء"، مع اعتماد مزيد من النشاط الاقتصادي على المولدات والأسلاك والبطاريات، مدفوعاً بالطاقة النظيفة ومكيفات الهواء ومراكز البيانات. ويستفيد النحاس من هذا التحول في كل مراحله تقريباً.

اقرأ أيضاً: أسعار النحاس تصعد صوب مستوى قياسي مع شح المعروض العالمي

أما آفاق النيكل فتبدو أكثر تبايناً. على سبيل المثال، يبدو أن الأنواع الغنية بالنيكل من بطاريات "الليثيوم-أيون"، التي قادت أحدث موجة من طفرة الإمدادات في إندونيسيا، تتراجع الآن بشكل واضح أمام أحدث الخلايا الصينية، التي تستخدم الفوسفات بدلاً من النيكل.

من شأن ذلك أن يُحوّل انعكاس الأسعار الاستثنائي خلال عام 2026 إلى ظاهرة أطول أمداً. ولم تكن هذه المرة الأولى التي يقع فيها أمرٌ مماثل. في القرن التاسع عشر، كان إنتاج الألمنيوم صعباً إلى درجة جعلت سعره يتجاوز سعر الذهب. استخدم الإمبراطور الفرنسي نابليون الثالث أدوات مائدة مصنوعة من الألمنيوم لتقديم الطعام إلى ضيوفه إظهاراً للثراء والترف.

لكن الثورات في التعدين والمعالجة حولته إلى سلعة اعتيادية إلى درجة أننا نستخدمه في علب المشروبات الغازية ورقائق تغليف الشطائر. ولا يُستبعد أن يُحدث عصر الكهرباء الناشئ الأثر ذاته مع النيكل.

المصدر:
بلومبرغ

 

أقرأ أيضاَ

الأسهم الآسيوية تتراجع بعد دعوات إبطاء وتيرة تطوير الذكاء الاصطناعي

أقرأ أيضاَ

"شيفرون" تستبعد هبوط أسعار الغاز المسال خلال الأشهر الستة المقبلة