تباطؤ طروحات الخليج يدفع مصرفيين للبحث عن فرص في أسواق أخرى -- Sep 15 , 2026 3
قبل ثلاث سنوات فقط، كان المصرفيون من حول العالم يتوافدون إلى الخليج لاقتناص حصة من واحدة من أكثر أسواق الطروحات العامة الأولية نشاطاً في العالم. أما اليوم، فتراجع الصفقات يدفع حتى المستشارين المحليين إلى البحث عن فرص خارج المنطقة.
بدأ نشاط الطروحات في الخليج يفقد زخمه العام الماضي، قبل أن تنخفض قيمتها إلى أقل من 1.1 مليار دولار منذ بداية 2026، في تراجع يعود جزئياً إلى الصراع الإقليمي المستمر منذ أشهر. ومع انحسار الصفقات، اشتد السباق على الرسوم في أسواق خارج المنطقة، إذ تتجه مؤسسات من بينها "إتش إس بي سي هولدينغز" (HSBC Holdings) و"إي إف جي هيرميس" (EFG Hermes) إلى أسواق مثل مصر وتركيا والهند.
طروحات الخليج تفقد زخمها
هذا التراجع في أحجام الطروحات يعني أن الشركات الخليجية جمعت أموالاً أقل من أسواق عادةً ما تكون أقل نشاطاً، مثل جنوب الصحراء في أفريقيا، حيث استقطبت الطروحات 1.37 مليار دولار. ومن المتوقع أن تتسع الفجوة أكثر بعد أن تجمع "دانغوتي بتروليوم ريفاينري" (Dangote Petroleum Refinery) ما لا يقل عن 1.6 مليار دولار في أكبر طرح عام أولي تشهده القارة الأفريقية على الإطلاق.
يعكس ذلك تحولاً حاداً في مسار مراكز مالية مثل دبي وأبوظبي والرياض، بعدما شكلت طفرة الطروحات التي أعقبت الجائحة زخماً لنشاطها في مواجهة تباطؤ مراكز مالية تقليدية مثل لندن وهونغ كونغ ونيويورك. ويأتي تراجع الطروحات في تناقض واضح مع ازدهار صفقات مدعومة من صناديق الخليج السيادية، الذي يدفع المؤسسات العالمية إلى تعزيز فرقها بمصرفيين متخصصين في الاندماج والاستحواذ.
وارتفعت قيمة الصفقات التي تشارك فيها جهات خليجية بنحو 200% خلال النصف الأول من العام إلى نحو 300 مليار دولار، وفق بيانات جمعتها "بلومبرغ". في المقابل، ورغم وجود عدد كبير من الطروحات العامة الأولية قيد الإعداد، ألقت الحرب بظلال من عدم اليقين على مواعيد تنفيذها، ما دفع المصرفيين إلى توسيع نطاق بحثهم عن فرص خارج المنطقة.
"إتش إس بي سي" يبحث عن فرص خارج الخليج
لعلّ بنك "إتش إس بي سي" أوضح مثال على ذلك، إذ يُصنّف باستمرار بين أبرز البنوك بصفقات أسواق رأس المال في الخليج. ومع تباطؤ النشاط في المنطقة، اتجه البنك إلى مبيعات الأسهم الثانوية في تركيا، التي جمعت 1.6 مليار دولار منذ بداية العام، أي ما يقارب ضعف حصيلة العام الماضي، وفق بيانات جمعتها "بلومبرغ".
ويتصدر "إتش إس بي سي" حالياً التصنيفات هناك، بعدما نفذ سبع صفقات من هذا النوع جمعت 552 مليون دولار، مقارنة بصفقتين بقيمة 260 مليون دولار العام الماضي.
ولدى البنك أكثر من 50 تفويضاً نشطاً لصفقات اندماج واستحواذ وطروحات في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا وتركيا، وفق محمد فنوّش، الرئيس المشارك لأسواق رأس المال والاستشارات في المنطقة لدى "إتش إس بي سي". لكن البنك، شأنه شأن العديد من البنوك الأخرى، لم ينجز بعد أي طرح عام أولي في الخليج هذا العام.
"هيرميس" تُعد لطروحات أولية في مصر
في الوقت نفسه، تعمل "إي إف جي هيرميس"، وهي أيضاً من البنوك الاستثمارية التي تحل بصورة ثابتة بمراكز متقدمة بصفقات الاكتتابات في أسواق رأس المال في الخليج، على عدد من الطروحات العامة الأولية في مصر، حيث تتمتع بحضور راسخ. وتشمل الصفقات طرحاً محتملاً في القاهرة لأعمال "يونيكورن" التكنولوجيا المالية "إم إن تي-حالاً" (MNT-Halan)، بالتعاون مع "سيتي غروب" (Citigroup).
كما تساعد في ترتيب طروحات مرتقبة لشركات تابعة للدولة، من بينها "بنك القاهرة" و"مصر لتأمينات الحياة"، وسبق أن قدمت المشورة في الطرح العام الأولي لشركة صغيرة لتجارة الأغذية بالتجزئة ارتفع سهمها بنحو 150% منذ بدء تداوله في يناير.
وقال كريستوفر لاينغ، رئيس أسواق رأس المال في "إي إف جي هيرميس"، المقيم في دبي، إن البنك يعتبر مصر سوقاً محلية له، و"حققنا أداءً قوياً للغاية" خلال العامين الماضيين. وأضاف: "ازداد استقرار الجنيه المصري منذ خفض قيمته العام الماضي، كما يتراجع التضخم، ويتحسن قطاع السياحة، وينمو الاقتصاد"، مشيراً إلى أن "ذلك أسهم بدرجة كبيرة للغاية في تعزيز اهتمام المستثمرين".
"الإمارات دبي الوطني" يرسخ حضوره الخارجي
بدوره، يتجه "بنك الإمارات دبي الوطني" (Emirates NBD Bank)، ومقره في دبي، إلى إبرام صفقات في الخارج أيضاً، بعدما كان من بين المؤسسات التي زادت عدد موظفيها خلال السنوات الماضية لمواكبة طفرة الطروحات العامة الأولية في الخليج.
ووسع البنك حضوره في مجال الخدمات المصرفية الاستثمارية في الهند خلال الأشهر الماضية، واستحوذ على حصة أغلبية في "آر بي إل بنك" (RBL Bank)، في إطار سعيه إلى اقتناص حصة من تدفق الصفقات الكبيرة في البلاد. كما رسخ مكانته بوصفه مديراً لإصدارات السندات الدولية في تركيا بشكل دوري، ويسعى إلى تعزيز حضوره في أسواق رأس المال هناك.
ويُعدُّ "بنك الإمارات دبي الوطني"، إلى جانب "بنك أبوظبي الأول" (First Abu Dhabi Bank)، من مديري إدراج "إير تيل موني" (Airtel Money) في لندن.
وقال هيتيش أساربوتا، الرئيس التنفيذي لـ"إي إن بي دي كابيتال" (ENBD Capital)، إن النشاط العابر للحدود يتزامن مع سعي عدد متزايد من المصدرين من خارج الخليج إلى الوصول إلى السيولة الوفيرة في الشرق الأوسط، بينما يسعى المستثمرون الإقليميون إلى زيادة انكشافهم على الأسواق العالمية.
بنوك تستفيد من تعزيز العلاقات الخارجية
كذلك، تستفيد بعض البنوك الخليجية المدعومة من الدول من توطيد العلاقات مع حكومات خارج المنطقة لاقتناص صفقات جديدة. فعلى سبيل المثال، عززت أبوظبي وأوزبكستان علاقاتهما عبر سلسلة من الشراكات الاستثمارية، وشارك "بنك أبوظبي التجاري" (Abu Dhabi Commercial Bank) في الآونة الأخيرة بصفته مديراً لسجل الاكتتاب في الإدراج المزدوج في لندن وطشقند لـ"صندوق الاستثمار الوطني" الأوزبكي.
بالطبع لا تزال هذه المؤسسات، إلى جانب نظيراتها الدولية مثل "غولدمان ساكس غروب" (Goldman Sachs Group) و"جيه بي مورغان"، تفوز بتكليفات في الخليج، بعد أن بدأت خلال سنوات الطفرة في إرسال كبار المصرفيين المتخصصين في الطروحات العامة الأولية إلى المنطقة بوتيرة أكبر، لكن الصفقات لم تُنفذ بعد. ويتوقع لاينغ من "إي إف جي هيرميس" "الكثير من الصفقات الجديدة في الخليج"، بعدما حصل البنك الاستثماري في الآونة الأخيرة على عدة تكليفات جديدة في السعودية، إلا أنه من المرجح أن يبدأ العديد من هذه الصفقات العام المقبل.
في ظل هذا التراجع في النشاط، أشارت صفقتان أُبرمتا في الآونة الأخيرة إلى تحول آخر في الطريقة التي تحقق بها البنوك إيرادات من الرسوم.
فقبل بضعة أعوام، كان جانب كبير من الصفقات يأتي من بيع حكومات الخليج حصصاً في أصول رئيسية ضمن مساعيها لتعميق أسواق رأس المال. أما خلال الشهرين الماضيين، عملت بعض البنوك بدلاً من ذلك على صفقتين للاستحواذ على شركات مدرجة وتحويلها إلى شركات خاصة.
المصدر:
بلومبرغ