جوناثان ليفين: ارتباك السياسات يضع البنوك المركزية الكبرى في مأزق -- Sep 23 , 2026 29
يحاول صانعو السياسات في المملكة المتحدة والولايات المتحدة واليابان تحقيق توازن بالغ الدقة، إذ يسعون إلى كبح ارتفاع عوائد السندات الحكومية طويلة الأجل، بالتزامن مع تبني خطاب متشدد تجاه التضخم. وهو ما يشبه الضغط على دواستي الوقود والمكابح في آن واحد.
ويغيب عن هذه النقاشات، بشكل لافت، أي تحرك جاد لاتخاذ القرارات الصعبة سياسياً اللازمة لكبح الديون الوطنية غير المستدامة، وبناء مزيج أكثر توازناً من السياسات الاقتصادية. وبدلاً من ذلك، تُطرح حيل في سوق السندات لا تفعل سوى كسب الوقت في أفضل الأحوال، بينما تزيد صعوبة الانتصار في معركة التضخم.
وقدمت المملكة المتحدة أبرز مثال على ذلك خلال الأسبوع الماضي، بعدما ارتفعت عوائد السندات الحكومية لأجل 10 أعوام مؤخراً إلى أعلى مستوى في 19 عاماً، ما أثار تساؤلات بشأن الأجندة المالية لرئيس الوزراء آندي بيرنام.
فقد أعلن بنك إنجلترا يوم الخميس تعليق مبيعات السندات التي كان يستخدمها لتقليص محفظة أوراقه المالية، البالغة 488 مليار جنيه إسترليني (654 مليار دولار)، بعدما تضخمت خلال الجائحة. وجاء القرار في وقت حذر المحافظ أندرو بيلي من أن البنك المركزي سيضطر على الأرجح إلى رفع أسعار الفائدة إذا استمرت أسعار الطاقة عند مستويات مرتفعة، بينما رأى 3 من أصل 9 أعضاء في "لجنة السياسة النقدية" أنه كان ينبغي رفع الفائدة بالفعل مجدداً.
يطمس ذلك الحدود الفاصلة بين البنوك المركزية ووزارات المالية، وهو انتهاك لمبادئ استقلال السياسة النقدية.
ولا ينفرد بنك إنجلترا بمحاولة تحقيق هذا التوازن؛ إذ يكمن الخطر في أن تُبطل جهود صُناع السياسات بعضها بعضاً، فيظل التضخم المرتفع عصياً على الانحسار، وتعود مخاوف سوق السندات إلى الواجهة وتدفع تكاليف الاقتراض العالمية إلى الارتفاع في نهاية المطاف. أما الأسر والشركات، فقد تدفع ثمن هذه الاستجابة المرتبكة في صورة سنوات إضافية من ضعف نمو الأجور الحقيقية وارتفاع معدلات الرهن العقاري بشكل كبير.
بنك إنجلترا يبرر تحركاته في سوق السندات
هل يحاول بنك إنجلترا تلبية خطط بيرنام للإنفاق؟ يعتزم البنك المركزي وقف بيع الأوراق المالية ذات آجال الاستحقاق الطويلة للغاية، التي كانت تضغط على سوق السندات، كما يدرس إعادة بيع سندات أخرى طويلة الأجل إلى الحكومة عبر "مكتب إدارة الدين" (Debt Management Office) تمهيداً لإلغائها.
ومن شأن هذه الخطوات تقليص حجم السندات الحكومية طويلة الأجل التي يتعين على السوق المفتوحة استيعابها. وقد أُبلغ المستثمرون بهذا التغيير، في توقيت ملائم للغاية، يتزامن مع فترة يُعتقد أن الحكومة تحتسب خلالها تكاليف الفائدة المدرجة ضمن موازنة الخريف. وعلى إثر الأنباء، هبطت عوائد السندات الحكومية لأجل 10 أعوام بحدة، بدعم أيضاً من هبوط أسعار النفط.
من جانبه، ينفي بنك إنجلترا وجود أي تناقض؛ إذ يُعد سعر الفائدة الأداة الفعالة للسياسة النقدية، بينما تستهدف تعديلات الميزانية العمومية الحد من اضطرابات السوق.
غير أن المخاوف المتعلقة بـ"أداء السوق" قد تكون تعبيراً ملطفاً عن القول إن "العوائد مرتفعة للغاية". وما يثير القلق بصورة أكبر هو ظهور تطورات مماثلة في دول أخرى تشهد أيضاً قفزات في عوائد السندات السيادية وتدهوراً في أوضاعها المالية العامة.
بنك اليابان يرفع الفائدة ويدعم سوق السندات
رفع بنك اليابان أسعار الفائدة الجمعة إلى أعلى مستوى منذ 1995، لكنه اتخذ الخطوة بحذر. فقد صوت عضوان بمجلس الإدارة يؤيدان سياسات تحفيز التضخم، وكانا قد عُيّنا مؤخراً من قِبل رئيسة الوزراء ساناي تاكايتشي، ضد رفع الفائدة، فيما رأت الأسواق أن تصريحات المحافظ كازو أويدا عقب الاجتماع جاءت أكثر ميلاً للتيسير مما كان متوقعاً.
وعلى غرار بنوك مركزية أخرى، كان بنك اليابان يبطئ وتيرة التقليص التدريجي لحيازاته من الأوراق المالية (فهو لم يلجأ إلى البيع النشط كما فعل بنك إنجلترا، بل خفّض وتيرة الشراء وترك محفظة السندات تنكمش مع حلول آجال استحقاق الحيازات القائمة).
ويعتزم البنك وقف تقليص المشتريات في أبريل، بمجرد تراجعها إلى تريليوني ين شهرياً (13 مليار دولار تقريباً)، مع إبقاء الباب مفتوحاً أمام زيادة المشتريات مجدداً "في حال حدوث ارتفاع سريع في أسعار الفائدة طويلة الأجل".
وفي ورقة بحثية نشرها بنك اليابان في أغسطس، أشار الموظفون إلى حاجة السوق للتكيف تدريجياً مع زيادة المعروض من السندات، في إشارة أخرى تتعلق بآليات عمل السوق بدت أقرب إلى تلميح غير مباشر إلى ارتفاع تكاليف الاقتراض بشكل مفرط.
كما استشعر المشككون في تحركات الميزانية العمومية للبنك ضغوطاً من تاكايتشي، التي ادعت امتلاكها تفويضاً لتنفيذ أجندتها المالية التوسعية، بعدما نال حزبها أغلبية ساحقة بواقع الثلثين بمجلس النواب خلال انتخابات فبراير.
تبدو هذه التطورات مشابهة بشكل لافت للديناميكيات السياسية في أميركا في عهد الرئيس دونالد ترمب.
الاحتياطي الفيدرالي يرفع أسعار الفائدة
رفع الاحتياطي الفيدرالي، بقيادة رئيسه الجديد كيفن وارش، أسعار الفائدة يوم الأربعاء لكبح التضخم الذي ظل أعلى من مستهدفه البالغ 2% طوال خمس سنوات ونصف السنة. وبعد ساعات، هاجم ترمب القرار عبر وسائل التواصل الاجتماعي.
تزامنت خطوة الفيدرالي مع إعلان سابق لوزارة الخزانة الأميركية يقضي برفع حجم عمليات إعادة شراء السندات طويلة الأجل إلى ثلاثة أمثالها.
وربط الوزير سكوت بيسنت الخطوة مباشرةً بالعوائد، قائلاً لشبكة "سي إن بي سي" (CNBC) في أغسطس: "لدينا مجموعة واسعة من الأدوات. وجزء منها يتمثل في توجيه إشارة إلى أننا نعتقد أن العوائد لا تعكس الأساسيات الكامنة". كما حاول ثني اليابان، إحدى أكبر الجهات الحائزة لسندات الخزانة الأميركية، عن بيع هذه الأوراق خلال تدخلاتها في السوق لدعم الين.
ومع اقتراب انتخابات التجديد النصفي الحاسمة في نوفمبر، أبقى الاحتياطي الفيدرالي نفسه على مسافة من مبادرة بيسنت لإعادة شراء السندات، بعدما كان قد أنهى في ديسمبر عملية تقليص حيازاته من الأوراق المالية.
لكن وارش، الذي أمضى سنوات في انتقاد ضخامة ميزانية الفيدرالي وجعل تقليصها محوراً أساسياً في طرحه لتولي رئاسة البنك، التزم الصمت حيال الأمر خلال الأشهر الأخيرة، وأحال دراسة المسألة إلى فريق عمل، من دون تحديد موعد واضح لاتخاذ قرار.
عزز أول رفع للفائدة من جانب الفيدرالي منذ 2023 مصداقيته المؤسسية، وشكل خطوة أولى لمواجهة تضخم معتدل لكنه عنيد. غير أن هذه الخطوة تبدو محدودة قياساً إلى مساعي إدارة ترمب للحفاظ على زخم الاقتصاد.
وعلى غرار المملكة المتحدة واليابان، تحتاج الولايات المتحدة إلى تجنب تقويض الجهود اللازمة لكبح التضخم. وإذا كانت عوائد السندات المرتفعة تمثل مصدر قلق، فإن العلاج يكمن في قدر من الانضباط المالي، لا في إجراءات مؤقتة تخفض تكاليف الاقتراض لفترة وجيزة.
المصدر:
بلومبرغ