قطر في لبنان: رسالة أمان لمستثمري مشاريع الطاقة -- Oct 16 , 2026 91
على وقع التوتّرات التي تشتد حدّتها في لبنان والمنطقة، باتت بيروت بأمسّ الحاجة إلى مَن يبرِّد سخونة الملفّات السياسية والاقتصادية والأمنية التي تواجهها. وما يعلن لبنان التزامه به سياسياً وأمنياً، وما تعلنه الحكومة من توجّهات اقتصادية إصلاحية وخصوصاً على مستوى الكهرباء والطاقة، يحتاج إلى مَن يغطّيه عربياً ودولياً، ويشكِّل بذلك ما يشبه الضمانة، بأنّ لبنان يسير بالاتجاه الصحيح، ويحتاج إلى دعم سياسي ومالي، لاستكمال خطواته. وبذلك، يمكن رؤية زيارة رئيس مجلس الوزراء وزير الخارجيّة القطريّ، الشيخ محمد بن عبد الرحمن آل ثاني، إلى بيروت، من منظور إعطاء زخم جديد للملفّات الاقتصادية، ومنها ملفّات تزويد لبنان بالكهرباء، وتحديداً عبر استجرار الغاز.
الغطاء القطري
وصلَ ملفّ الكهرباء إلى مسار مسدود لا يمكن الاكتفاء خلاله بتأمين التمويل الكافي لشراء الفيول عبر مالية مؤسسة كهرباء لبنان وحدها أو عبر سلف خزينة من الدولة اللبنانية. وأصبح من الضروري الانتقال نحو الطاقة المتجدّدة من جهة والغاز بدل الفيول من جهة أخرى. وفي السياق، تعمل وزارة الطاقة على إعادة تفعيل مشاريع الطاقة البديلة، سواء معامل الطاقة الشمسية أو طاقة الرياح، وذلك من خلال حثّ المستثمرين على تمويل واستثمار تلك المعامل.
لكن هذا المسعى لا يتحقّق بسهولة في ظل الأوضاع الحالية، ووسط غياب مقوّمات الثقة بالسوق اللبناني. وهنا يبرز الدور القطري. فوزارة الطاقة تسعى إلى جذب المستثمرين، ويمكن للدور القطري أن يعطي الثقة، خصوصاً لجهة تمويله عمليات ضخّ الغاز إلى لبنان عبر خطّ الغاز العربي، أو تمويل استجرار الكهرباء من سوريا، أو حتى استكمال الإفراج عن حزم مالية لصالح قطاع الطاقة في لبنان. فالمستثمرون عندما يرون ترجمة المبادرات القطرية على أرض الواقع، إلى جانب الغطاء السياسي لرئاسة الجمهورية والحكومة، والسعي إلى بلورة رأي عام إقليمي ودولي مساند للبنان، سيدركون أنّ الاستثمار في لبنان بات أكثر أماناً.
ولمزيد من الثقة، تسعى وزارة الطاقة إلى بناء معامل تنتج الكهرباء باسعمال الغاز وليس الفيول، وذلك عبر عقود استثمار مع قطر، من دولة إلى دولة. تشكّل قطر من خلال هذه العقود، ضمانة مالية للمستثمرين. وكذلك، يمكن عبر تلك العقود، تأمين تدفّق الغاز إلى لبنان لسنوات طويلة، وهذا بدوره يحقّق لمؤسسة كهرباء لبنان وفراص مالية بنحو 20 إلى 30 بالمئة، يمكنها من خلاله شراء كميات أكبر من الفيول للمعامل التي تعمل على الفيول، وتالياً، زيادة ساعات التغذية.
بالتوازي، لم تغب المساعدات القطرية عن لبنان. وليس آخرها الحزمة المالية بنحو 400 مليون دولار لدعم قطاع الطاقة، والتي أعلن عنها في نهاية كانون الثاني 2026، ومنها 10 في المئة كمنحة. كما أنّ قطر أعلنت في العام الماضي خطّتها لتقديم المساعدة في قطاع الكهرباء على مرحلتين، الأولى توفير إنتاج الكهرباء عبر منصات عائمة أو بواخر لرفع التغذية الكهربائية خلال وقت قصير، والثانية الدخول في مشروع لإعادة تأهيل معامل انتاج الكهرباء.
ضمانات إقليمية
لا تشكّل المشاريع المباشرة بين قطر ولبنان، أو تلك التي تموّلها قطر، وحدها الضمانة. بل إنّ حجز لبنان لنفسه مقعداً في المشاريع الإقليمية، وخصوصاً الممتدّة من تركيا إلى سوريا والأردن، يساهم في إضفاء صورة إيجابية، خصوصاً إذا كانت قطر هي مَن يموّل معظم تلك المشاريع، وتحديداً المرتبطة بالغاز والطاقة. فقطر تلعب دوراً حيوياً في تطوير شبكة الغاز الإقليمية، عبر عدّة محاور منها، خط الغاز العربي الذي يربط الأردن بسوريا وتحديداً إلى حمص، ومنها يتفرّع الخط إلى لبنان، وكذلك إلى بانياس على الساحل السوري وأيضاً إلى حلب ومنها إلى تركيا. وانخراط لبنان في هذا المسار، يعني أنّه بات على الخريطة الإقليمية لمشاريع الغاز والطاقة، ممّا يضفي مزيداً من الطمأنينة على المشهد الاستثماري في البلاد.
وفي الوقت عينه، تساهم قطر في تأمين مظلّة ضمانات إقليمية ودولية للبنان من خلال انخراطها في تحالف التنقيب عن الغاز والنفط في المياه اللبنانية، جنباً إلى جنب مع شركة توتال الفرنسية وإيني الإيطالية. ولم يقف الأمر عند حدود المشاركة في التنقيب في البلوك البحري رقم 9، بل انخرطت قطر في التنقيب في البلوك رقم 8. ما يعكس رغبة قطر في استمرار استثمارها في لبنان. وعلى هذا النحو، فإنّ زيارة رئيس مجلس الوزراء القطري تتخطّى البُعد السياسي لتصل إلى الجانب الاقتصادي. لكن يبقى على لبنان ملاقاة تلك المساعي، عبر تسريع التعافي السياسي والإصلاح الاقتصادي بما يخدم تعزيز الثقة الإقليمية والدولية فيه، بوصفه بيئة آمنة للاستثمار.
خضر حسان - المدن