470 مليار $ تبخرت من السيولة الادخارية للأسر الأميركية.. كيف تهرب من فخ اقتصاد حرف K؟ -- Feb 19 , 2026 27
الأرقام القادمة من “بلومبرغ” و”هيدج آي” تضعنا أمام حقيقة اقتصادية قاسية؛ المدخرات الشخصية التي كانت بمثابة صمام الأمان للأسر الأمريكية بدأت تتبخر بمعدلات مخيفة.
منذ شهر أبريل تم رصد فقدان حوالي 470 مليار دولار من السيولة الادخارية، وهو ما يعادل انكماشاً بنسبة 37%. هذا الرقم يتجاوز كونه مجرد إحصائية جافة، إنه يعكس تآكل القدرة على الصمود في وجه تقلبات السوق.
عندما تنخفض مستويات الادخار إلى 3.5%، فإننا نعود فعلياً إلى مستويات القلق التي شهدناها خلال الأزمة المالية في 2008. الفارق الوحيد اليوم هو أن هذا الاستنزاف يحدث في ظل تضخم لا يزال يلتهم القوة الشرائية، مما يترك المستهلك بلا “وسادة” حقيقية تحميه من السقوط.
تشوهات “حرف K” والشرخ الطبقي
المشهد المالي الحالي يجسد أزمة “اقتصاد حرف K” بأوضح صورها.
أزمة حرف K هي ظاهرة تتكون عندما تتحرك الظروف الاقتصادية لفئات المجتمع في اتجاه مضاد، بحيث يزيد الأثرياء ثراء، ويزيد الفقراء فقرا. فنرى انفصالا حادا بين أداء الأصول المالية التي تخدم الفئة العليا، وبين الواقع المعيشي للأغلبية التي تعاني من تآكل مدخراتها لتغطية تكاليف الحياة الأساسية.
الهبوط المستمر في معدل الادخار كنسبة من الدخل المتاح يعني أن الإنفاق الحالي لا يأتي من “فائض القوة الشرائية”، بل يتم اقتطاعه من احتياطيات المستقبل.
هذا المسار الهابط الذي يظهره الرسم البياني ليس مجرد تراجع عابر، لماذا؟
لأننه ببساطة هو المؤشر على أن المحرك الأساسي للاقتصاد الأمريكي — وهو الاستهلاك — بدأ يعمل “على الاحتياطي”. وبمجرد نفاذ هذا المخزون، سنواجه لحظة الحقيقة التي يتجنب الكثيرون الحديث عنها.
الديون المشتعلة وحصار الائتمان
الخطر لا يتوقف عند جفاف المدخرات فقط، أنه يمتد إلى انفجار معدلات التعثر. وصول نسبة التأخر في سداد القروض (من العقارات إلى البطاقات الائتمانية) إلى 4.8% في الربع الأخير يمثل أعلى مستوى منذ عام 2017. هذه القفزة تخبرنا أن الأسر بدأت تفقد قدرتها على الموازنة بين الديون والضروريات.
المستهلك اليوم يواجه كماشة مزدوجة؛ فمن جهة تتآكل مدخراته، ومن جهة أخرى يجد نفسه غارقاً في فوائد ائتمانية مرتفعة تجعل من سداد الديون مهمة شبه مستحيلة. هذا الضغط الائتماني هو النتيجة الطبيعية لإصرار الفيدرالي على إبقاء الفائدة مرتفعة، وهو ثمن باهظ تدفعه الطبقة المتوسطة لتصحيح أخطاء السياسات النقدية السابقة.
فلسفة الأمان في زمن الاضطراب
في الأسواق، دائماً ما تسبق “السيكولوجية” الأرقام. تراجع المدخرات يزرع الخوف في نفوس المستهلكين، وهذا الخوف يترجم لاحقاً إلى انكماش في الطلب، وتوقف عن الاستثمار الشخصي، وحذر مبالغ فيه. السيولة هي شريان الحياة، وعندما يشعر الفرد أن “حصنه المالي” يتهاوى، فإنه يتوقف عن كونه محركاً للنمو ويتحول إلى وضعية الانكفاء.
النمو الذي نراه اليوم في أرقام الاستهلاك قد يكون “خادعاً”؛ لأنه ممول من استنزاف الأصول وليس من تدفقات دخل حقيقية مستدامة.
التاريخ يخبرنا أن الاقتصاد الذي يأكل مدخراته هو اقتصاد يستلف نموه من المستقبل، وسيتعين عليه دفع الثمن عاجلاً أم آجلاً.
كيف تهرب من سباق الفئران
كلمة السر هنا تكمن في “الأصول”.
الأسر التي تحتفظ بمدخراتها على هيئة نقد كاش، تقع بفعل النظام الحالي في مصيدة فئران لا يمكن الخروج منها.
مطبعة الكاش لا تتوقف، وأسعار الأصول، والسلع، والخدمات يُعاد تقييمها من واقع القيمة الحقيقية الجديدة للعملة.
لذلك يجد من يحفظ مدخراته في كاش نفسه أشد فقرا مع الوقت، لأن نفس المبلغ الذي امتلكه العام الماضي أصبح يشتري كميات أقل من السلع، أو الخدمات، أو الأصول.
لذلك يكمن الحل هنا لكسر هذه الظاهر هو تحويل هذه المدخرات إلى أصول صلبة، سواء أكانت معادن، أو أسهم، أو عقار. فإذا حصل نقص في قيمة العملة ارتفعت ممتلكات الأسرة من الأصول. مما يسمح لهم باستيعاب ارتفاع الأسعار.
خاتمة: الاستعداد للمنعطف الحرج
الرسالة الواضحة من الرسوم البيانية هي أن “الوسادة المالية” قد تلاشت. الاعتماد على مرونة المستهلك كضمانة لعدم حدوث ركود أصبح رهاناً ضعيفاً أمام واقع الأرقام. نحن في مرحلة تتطلب إعادة تقييم شاملة للمخاطر، فالسوق الذي يتجاهل أنين محافظ الأفراد سيصطدم حتماً بجدار الواقع. والأسر التي لا تتحوط من تآكل العملة ستواجه تآكل المدخرات.
السؤال الذي يجب أن يطرحه كل مستثمر الآن: كيف سيكون شكل الأسواق عندما يتوقف المستهلك عن الإنفاق لأنه “مضطر”، وليس لأنه “يريد”؟