المصارف لن تدفع للمودعين.. ماذا بيد الدولة لإجبارها؟ -- Feb 25 , 2026 189
البنوك لن تدفع. هذا هو عنوان المعركة التي بدأتها جمعيّة المصارف في مواجهة مشروع قانون الفجوة الماليّة المُحال من الحكومة إلى مجلس النوّاب، ولا سيّما في شقّه المتعلّق بسداد 100 ألف دولار لكلّ مودع، مقسّطة على أربع سنوات.
غلّفت المصارف موقفها مهنيّاً باستشارة أوكلتها إلى الشركة الاستشاريّة الدوليّة “أنكورا”، وكان في خلاصتها أنّ السيولة لدى المصارف لا تكفي لتغطية حصّة البنوك من السداد، التي يحدّدها مشروع القانون بـ40% من مبلغ المئة ألف دولار. إذ تقدّر “أنكورا” إجمالي المبلغ المطلوب للسداد بنحو 20 مليار دولار، حصّة البنوك منها 9 مليارات دولار، وهو مبلغ يفوق كامل القاعدة الرأسماليّة للبنوك مجتمعة (الأموال الخاصّة)، البالغة نحو 7 مليارات دولار.
لكنّ هذه ليست الحقيقة كاملة، فالشركة الاستشاريّة نفسها تكشف لوكالة “بلومبرغ” أنّ عشرة بنوك (فقط) ستكون قادرة على الوفاء بالتزاماتها في السنة الأولى، وأنّ ستّة بنوك ستظلّ مليئة ماليّاً بعد السنة الرابعة. وهذا يؤكّد أنّ البنوك ليست سواءً، بل إنّ التفاوت كبير في الملاءة وتركيبة الأصول. ويبقى السؤال عن هويّة البنوك العشرة القادرة على السداد، ومقدار حصّتها من إجمالي موجودات القطاع، وهو ما لم تكشفه تصريحات الشركة.
الواقع أنّ تصريحات مستشار البنوك لوكالة “بلومبرغ” ليست إلّا جزءاً من إعلان النفير الذي أعلنته جمعيّة المصارف، وخلف مقولة عدم توافر السيولة الكافية ما هو أكبر. فمشروع القانون ينصّ صراحة على شطب رؤوس أموال المصارف كاملة، كنوع من التزام مبدأ هرميّة المطالبات الذي يصرّ عليه صندوق النقد الدوليّ، بحيث يتمّ تحميل الخسائر للمساهمين أوّلاً، ثمّ من بعدهم لحملة الأدوات الماليّة الثانويّة، ثمّ لكبار الدائنين، ثمّ للمودعين في آخر السلسلة.
هكذا تتّضح معالم المعركة المقبلة: المصارف ستواجه بكلّ ما أوتيت من وسائل الضغط شطب رؤوس أموالها، وستقاوم إلزامها بالمشاركة في سداد الودائع. وسلاحها “النوويّ” في هذه المعركة هو التلويح بالإفلاس، على قاعدة “عليّ وعلى المودعين يا ربّ”.
مشكلة الحكومة في المقابل أنّها وضعت في القانون قواعد لا تستطيع الدفاع عنها.
بدأت الحكومة من مقاربة خاطئة بإعلانها رقماً موحّداً للأموال الخاصّة (Shareholders Equity) في كلّ البنوك على حدّ سواء، هو “صفر”، وهذا بغضّ النظر عن اختلاف تركيبة موجوداتها، جودتها، وسيولتها. وبالتالي تساوي الخطّة بذلك بين من اجتهد في سنوات الأزمة وقبلها، وبين من لعب اللعبة بأسوأ ما يمكن من الممارسات. والأجدر أن يُترك تحديد قيمة رأسمال كلّ بنك لما يسفر عنه التقويم المستقلّ الذي طلبه صندوق النقد الدوليّ لأكبر 14 بنكاً، وهو ما وافق عليه لبنان في الاتّفاق مع الصندوق على مستوى الخبراء، ولم يطبّق منه شيئاً. وبعد ذلك تجري معالجة وضع كلّ بنك بحسب وضعه، لا بحسب الرقم المفروض مسبقاً. إذ من المؤكّد أنّ العديد من البنوك لديها رأسمال سلبيّ، وليس مفهوماً كيف سيتمّ ردم الفجوة بين الرقم السلبيّ والصفر الذي يفرضه مشروع القانون.
لا تملك الحكومة من الأمر شيئاً إذا قرّرت البنوك المفلسة الامتناع عن الدفع. ففي المعادلة النهائيّة، قد يكون من الأفضل بالفعل للكثير من أصحاب البنوك أن يفلسوا مصارفهم على أن يأتوا بشيءٍ من أموالهم الحرّة لدفعها للمودعين. ولا مخرج من هذا المأزق سوى أن يكون لدى الدولة قوّة ماليّة ناريّة، أو ما يُصطلح عليه بـ “war chest”، للاستحواذ على البنوك التي يستنكف أصحابها عن ضخّ رؤوس أموال جديدة فيها تمكّنها من أداء قسطها في السداد التدريجيّ للمودعين.
ليس أمام الدولة من حلّ لهذه المعضلة سوى تغيير المقاربة بشكل جذريّ. فبدلاً من نقل أزمة الودائع من ميزانيّات المصارف إلى ميزانيّة البنك المركزيّ وملاحقة البنوك للمشاركة في السداد، ينبغي تنظيف ميزانيّات البنك المركزيّ والبنوك ذات الأهميّة النظاميّة مرّة واحدة، بنقل الأصول المضطربة إلى وعاء جديد يكون عبارة عن صندوق سياديّ، تُنقل إليه أصول جيّدة من مصرف لبنان (جزء من الذهب، وجزء من الاحتياطيّات الدولاريّة، والميدل إيست والكازينو وبعض العقارات)، وأصول أخرى من الدولة، على أن يتولّى هذا الصندوق تعظيم قيمة الأصول والسداد التدريجيّ للمودعين ورسملة البنوك ذات الأهميّة النظاميّة.
بغير ذلك تستطيع البنوك أن تلوّح بسلاحها النوويّ، حتّى وإن لم تكن جادّة باستخدامه.
عبادة اللدن - اساس ميديا