الأسهم العالمية في صعود مستمر.. فهل نحتفل أم نسارع بالهرب؟

الأسهم العالمية في صعود مستمر.. فهل نحتفل أم نسارع بالهرب؟ -- Jun 02 , 2026 21

لا شيء أسوأ من أن يتذكرك الناس بنبوءة متفائلة عن مسار أسواق المال أطلقْتها قبل انهيار حاد للسوق بفترة وجيزة. 

في 15 أكتوبر 1929، اعتبر الاقتصادي الأميركي الشهير إيرفينغ فيشر بأن أسهم "وول ستريت" قد بلغت "قمة دائمة". أدلى فيشر بذلك التصريح قبل تسعة أيام من "الخميس الأسود" الذي دشّن الانهيار الذي أدى لاحقاً إلى الكساد العالمي الكبير. خسر الرجل ثروته أثناء الأزمة وتوفي عام 1947 بعد إسهامات نظرية قيّمة في الاقتصاد خلال الثلاثينيات. لكن نبوءته سيئة السمعة لا تزال تطارده بعد قرن على إدلائه بها حتى وصلت إلى هذا المقال. 

كيفن هاسيت، كبير المستشارين الاقتصاديين الحالي في البيت الأبيض، رأى في كتاب شارك في تأليفه عام 1999 أن تقييم الأسهم الأميركية منخفض. كان عنوان الكتاب "داوجونز عند 36 ألف نقطة" (Dow 36000) وقت أن كان المؤشر يُتداول عند حدود الـ10 آلاف نقطة. بعد صدور الكتاب بفترة قصيرة، انفجرت فقاعة الـ"دوت كوم" الشهيرة المرتبطة بالإنترنت في مطلع الألفية ومحت تريليونات الدولارات من القيمة السوقية للأسهم. 

يدفع الخوف من الإفراط في التفاؤل الكثير من المُحللين والخبراء لتوخي الحذر، خصوصاً إذا كان الرأي عكس ما تقوله الأغلبية. في السنوات القليلة التي سبقت الأزمة المالية العالمية عام 2008، قُوبلت تحذيرات مجموعة صغيرة من المستثمرين والاقتصاديين من فقاعة عقارية في الولايات المتحدة بمزيج من التنمّر والاستهجان والسخرية. اليوم تعلّم الناس الدرس. 

رقم قياسي تلو الآخر
غير أن التحذير من أن الأسهم العالمية اليوم لا يُعدّ تغريداً خارج السرب. فما يحدث في الأسواق مُثير للقلق، حتى من دون دوافع حماية السمعة الشخصية من تاريخ لا يرحم. 

فأسواق الأسهم الأميركية، وأسهم التكنولوجيا المرتبطة بالذكاء الاصطناعي عالمياً، باتت تحطم الأرقام القياسية تلو الأخرى، متجاهلةً أعنف أزمة طاقة يشهدها العالم في تاريخه بفعل حرب إيران، وتنامي الضغوط التضخمية، وبنوكاً مركزية قد تضطر لرفع معدلات الفائدة هذا العام أو تركها تراوح مكانها على أقل تقدير بعد أن بدد الصراع توقعات الاستمرار في موجة الخفض. كل ذلك أعاد الحديث عن احتمال تعرض السوق لانهيار حاد يشبه فقاعة "الدوت كوم"، التي لم تتعافَ منها السوق لسنوات طويلة، إلى الواجهة مرة أخرى. 

أنهى مؤشر "إس آند بي 500" جلسة يوم الإثنين عند رقم قياسي جديد، ماضياً في طريقه لتسجيل ارتفاع للأسبوع العاشر على التوالي للمرة الأولى منذ عام 1985. لم يتخطَّ المؤشر تسعة أسابيع متتالية من المكاسب سوى أربع مرّات فقط خلال الـ100 عام الماضية، بحسب هشام العياص، كبير محللي "الشرق". 

يرى العياص أكثر من سبب للقلق، أولها تركز المكاسب في قطاع ضيق من الأسهم المرتبطة بالذكاء الاصطناعي، وثانيها عدم وضوح ما إذا كانت أرباح الشركات المستقبلية وإيراداتها ستُبرر المبالغ الخيالية التي تنفقها حالياً على البنية التحتية للذكاء الاصطناعي. 

هناك أسباب للتفاؤل
ويتابع: "نحن لا نتحدث فقط عن قطاع التكنولوجيا. فهناك فرق بين شركات التكنولوجيا القديمة، أو لنقل المعروفة، مثل مايكروسوفت وأبل، وبين الشركات الجديدة التي تركز نشاطها في الذكاء الاصطناعي، سواء كانت صناعة الرقائق أو أشباه الموصلات".

يظهر تقرير حديث لمحللي "بنك أوف أميركا" أن المكاسب القياسية لأسهم الشركات التي تشكل "إس آند بي 500" تتركز في 21 سهماً، أو 4% من إجمالي المؤشر. التركيز أكثر حدة في الأسواق الناشئة، حيث يُشير التقرير إلى أن المكاسب القياسية تقتصر على 21 سهماً من إجمالي 1224، أو ما يعادل 2%. 

في آسيا، نرى مؤشر "كوسبي" الكوري يحلق بأرقام قياسية تصيب أسواق أميركا بالخجل. منذ بداية العام، صعد المؤشر 108% مدفوعاً بأداء شركة "سامسونج" المعروفة، وشركات أخرى مثل "إس كيه هاينكس" التي تُعدّ مورداً رائداً لرقائق الذاكرة المتقدمة التي تشغل الذكاء الاصطناعي. صعدت أسهم الشركة أكثر من 1000% خلال الـ12 شهراً الماضية، لتصبح ثالث شركة آسيوية تنضم لنادي التريليون دولار من حيث القيمة السوقية بعد سامسونج و"تي إس إم سي". 

لكن هذه المكاسب، وإن بدت جنونية، فهي مدفوعةٌ بنمو كبير في الأرباح وشحّ في رقائق الذاكرة مع طلب متنامي من عمالقة شركات التكنولوجيا مثل "أمازون" و "جوجل" و"ميتا"، وهو ما دفع محللي بنك "يو بي إس" إلى رفع تقييمهم لأسهم شركة "ميكرون" الأميركية لصناعة الرقائق أواخر الشهر الماضي والتنبؤ بأن أسهمها قد تتضاعف خلال 12 شهراً. 

هل ينهي وارش الفقاعة؟
"لم نعد نتحدث فقط عن إنفيديا" يقول هشام العياص. "انظر إلى ميكرون: أين كانت وأين أصبحت؟" بالمناسبة، ميكرون دخلت نادي التريليون دولار في نفس الوقت تقريباً مع "إس كيه هاينكس". 

غير أن نموذج الأعمال هذا يعتمد على تواصل الطلب من شركات التكنولوجيا الكبرى مثل ألفابت، المالكة لـ"جوجل" و"مايكروسوفت" و"أمازون"، والتي ذكر تقرير حديث لـ"بلومبرغ" أن نفقاتها الاستثمارية  قد تصل هذا العام إلى 725 مليار دولار. "ماذا لو لم تبرر النتائج كل هذا الإنفاق الرأسمالي؟" يسأل العياص.

الإجابة في علم الغيب، وهو أحد مُبررات موجات الشراء المتواصل للأسهم لتحقيق مزيد من المكاسب طالما كان ذلك ممكناً، وهو ما يؤكده العياص أيضاً بقوله: "قد يستمر ما يحدث لمدة شهور، أو حتى سنوات".

يتفق مايكل هارتنت، مُحلل الاستثمار لدى "بنك أوف أميركا"، مع هذا التقييم، لكنه ألمح إلى أن نهاية الرحلة قد تكون أقرب مما نتصوّر في حال اضطر الاحتياطي الفيدرالي الأميركي ورئيسه الجديد كيفن وارش إلى رفع معدل الفائدة، مضيفاً: "البنوك المركزية تنهي الفقاعات" ولكن حتى ذلك الحين "يبدو المستثمرون سعداء بركوب موجة الفقاعة".

المصدر:
الشرق

أقرأ أيضاَ

الذهب يكتسح العملات الورقية.. الدولار والإسترليني يخسران أكثر من 99% من قيمتها

أقرأ أيضاَ

الروبل يسبح عكس التيار.. كيف صنعت حربان قوته المفاجئة؟