الطريق إلى السوق السعودية مليء بالعقبات -- Jun 19 , 2026 30
كشفت الاجتماعات المتلاحقة التي عُقدت خلال الأيام الماضية في السراي الحكومي ووزارة الاقتصاد ولجنة الأشغال العامة والنقل والطاقة والمياه أنّ إعادة فتح السوق السعودية أمام المنتجات اللبنانية ليست سوى بداية مسار طويل، إذ سرعان ما برزت مجموعة من العقبات اللوجستية والإدارية والرقابية التي لا تزال تفصل بين القرار السياسي واستعادة حركة التصدير بصورة طبيعية.
وفي هذا السياق، عُقد لقاء موسّع في السراي الحكومي برئاسة رئيس الحكومة نواف سلام، بمشاركة وزراء الاقتصاد والتجارة عامر البساط والصناعة جو عيسى الخوري والزراعة نزار هاني، إضافة إلى ممثلين عن الوزارات والهيئات الاقتصادية والزراعية والصناعية، حيث جرى البحث في الانعكاسات الاقتصادية لرفع الحظر والمسؤوليات المترتبة على الجهات الرسمية والقطاع الخاص لضمان نجاح هذه الخطوة. وبالتوازي، عقدت لجنة الأشغال العامة والنقل والطاقة والمياه جلسة برئاسة النائب سجيع عطية انتهت إلى تشكيل لجنة فرعية برئاسة النائب أحمد الخير لمتابعة الملفات التشريعية والتنفيذية المرتبطة بقطاع النقل البري.
اكتشاف المزيد
أخبار لبنان
اشتراك أخبار عاجلة
صُحف
لكنّ المصدّرين يؤكدون أنّ استعادة القدرة التنافسية تتطلب تدخلاً مباشراً من الدولة. وفي هذا الإطار، دعا رئيس الاتحاد الوطني للفلاحين اللبنانيين إبراهيم ترشيشي إلى إعادة تفعيل دور المؤسسة العامة لتشجيع الاستثمارات في لبنان «إيدال»، معتبراً أنّ المنتج اللبناني يحتاج إلى دعم يسمح له باستعادة موقعه في الأسواق الخليجية بعد سنوات من الغياب. كما طالب بإعادة تفعيل عمل شركات المراقبة الدولية الثلاث التي كانت تعمل في لبنان، وهي «بيرو فيريتاس» و«تي يو في» و«إس جي إس»، إضافة إلى تسديد المستحقات المالية المتراكمة لصالح «إيدال» منذ أعوام، معتبراً أنّ قيمتها الفعلية تراجعت بصورة كبيرة بفعل انهيار سعر صرف الليرة.
أما على مستوى النقل البري، فتتركز العقبات حالياً حول ملف التأشيرات المخصصة لسائقي الشاحنات. فبحسب رئيس نقابة مالكي الشاحنات المبردة أحمد حسين، لا تزال السلطات السعودية تمنح تأشيرات عبور إلكترونية لمدة أربعة أيام للشاحنات العابرة (ترانزيت)، فيما لم تبدأ بعد بمنح تأشيرات الدخول إلى السعودية، الأمر الذي دفع القطاع إلى المطالبة بتسريع هذه الإجراءات.
ويضاف إلى ذلك تعطل أجهزة السكانر في نقطة المصنع الحدودية، ما أدى إلى وقف حركة الترانزيت مؤقتاً. ويؤكد حسين أنّ السلطات الجمركية اللبنانية ترفض السماح بمرور أي شحنة من دون إخضاعها لعمليات المسح، حتى لو كانت ستخضع لإجراءات مماثلة في سوريا أو الأردن، في إطار تشديد الرقابة على البضائع المتجهة إلى السعودية والكويت والإمارات وسائر دول الخليج، تنفيذاً لقرار سياسي اتُّخذ بهذا الشأن.
اكتشاف المزيد
أخبار لبنان عاجلة
خدمة واتساب إخبارية
سياسية
كذلك، يطالب أصحاب الشاحنات بالتفاوض مع الجانب السعودي لرفع الحدّ العمري المسموح به للشاحنات ثلاث سنوات إضافية، أي لتصبح 23 عاماً، إذ تعتمد المملكة سقفاً محدداً لعمر الشاحنات المسموح لها بالدخول إلى أراضيها. وبحسب القطاع، فإنّ الاستجابة لهذا المطلب ستسمح لنحو 1500 شاحنة، بين مبردة وغير مبردة، بالانضمام إلى الأسطول المؤهّل للعمل على الخط السعودي. كما يطالب أصحاب الشاحنات بتعديل المادة 180 (الفقرة العاشرة) من قانون السير، التي تحدد الحمولة المسموح بها بـ21 طناً، معتبرين أنّ هذا السقف لا يتلاءم مع متطلبات النقل الخارجي ويجب رفعه إلى 44 طناً. كما يواجه القطاع أزمة مرتبطة بتسجيل الشاحنات الجديدة، في ظل مطالبات بتسريع الإجراءات الإدارية بما يتيح زيادة عدد الشاحنات المؤهلة للعمل على خطوط التصدير.
وخلال النقاشات، برزت مطالب أثارت علامات استفهام، إذ طالب عدد من المصدّرين والتجّار خلال اجتماع السراي بحصر عمليات التصدير بالتجار الكبار فقط. وهو طرح يثير مخاوف من أن تتحول إعادة فتح السوق السعودية إلى فرصة لإعادة إنتاج الامتيازات نفسها التي حكمت بعض القطاعات الإنتاجية سابقاً، بدلاً من أن تشكّل مدخلاً لتوسيع قاعدة المستفيدين. فالرهان يفترض أن يكون على فتح المجال أمام أكبر عدد ممكن من المنتجين والمصدّرين، لا على تكريس دور مجموعة محدودة تتحكم بمفاتيح الوصول إلى الأسواق الخارجية.
وفي موازاة هذه العقبات، بدأت تظهر مؤشرات أولية على استئناف الحركة التجارية. إذ كشف وزير الزراعة نزار هاني لـ«الأخبار» أنّ أربع شحنات لبنانية عبرت الأراضي السعودية من دون أي مشاكل وكانت متجهة إلى قطر والإمارات، معتبراً أنّ هذه الخطوة تشكّل مؤشراً إيجابياً على انطلاق المرحلة التنفيذية. وأوضح أنّ اجتماعاً أولياً جمع وزارات الاقتصاد والصناعة والزراعة مع جمعية الصناعيين ونقابة مصدّري الخضار والفواكه ونقابة الصناعات الغذائية والجهات المعنية، على أن يُعقد قريباً اجتماع تقني في وزارة الزراعة يضم الغرف الأربع المانحة لشهادات المنشأ وكبار المصدّرين والجهات المتخصّصة بالفحوصات والرقابة، بهدف توحيد الإجراءات وتنسيق آليات العمل المطلوبة في المرحلة المقبلة.
وبذلك، تبدو إعادة فتح السوق السعودية أقرب إلى بداية مسار طويل منها إلى محطة نهائية. فالقرار السياسي أُنجز، لكن ترجمة نتائجه الاقتصادية ستبقى رهناً بقدرة الدولة اللبنانية على إزالة العقبات الداخلية التي تعترض طريق المصدّرين وشركات النقل، بالتوازي مع استكمال التنسيق التقني والإجرائي مع الجانب السعودي، وتأمين شروط المنافسة العادلة التي تسمح للبنان باستعادة جزء من الحصص السوقية التي خسرها خلال أكثر من خمس سنوات من الغياب. فالرهان الحقيقي لن يكون على قرار رفع الحظر بحد ذاته، بل على قدرة الدولة على منع تحوّل هذه العودة إلى فرصة جديدة لإعادة إنتاج الامتيازات نفسها التي حكمت بعض القطاعات الإنتاجية خلال السنوات الماضية.
زينب بزي -الاخبار