فخ سوق السندات الذي قيّد كلينتون وأسقط ليز تراس ينتظر رئيس وزراء بريطانيا الجديد -- Jun 23 , 2026 21
قد يجد السياسي البريطاني آندي بورنهام، المرشح الأوفر حظاً لخلافة كير ستارمر في رئاسة الحكومة البريطانية، نفسه في مواجهة مأزق شبيه بما مر به الرئيس الأميركي الأسبق بيل كلينتون، ولكن في ظروف أكثر صعوبة.
فمع تولي كلينتون للسلطة عام 1993، اضطر الرئيس الشاب آنذاك للعدول عن خطط إنفاق توسعية وعد بها خلال حملته الانتخابية بسبب تحذير مستشاريه، ومن بينهم المصرفي الشهير لدى "غولدمان ساكس" باري روبن، أن ذلك سيؤدي إلى ارتفاع عوائد الاقتراض الحكومي من سوق السندات.
لم يندم كلينتون على خياره لأن الاقتصاد الأميركي في عهده حقق معدلات نمو قوية، مدعوماً باستقرار عالمي وتضخم تحت السيطرة في ظل تطورات تكنولوجية (الإنترنت) أدت إلى زيادة معدل الإنتاجية وانخفاض التكاليف.
بورنهام يواجه سوق سندات متحفز
سيكون على بورنهام هو الآخر تجنب إثارة غضب سوق السندات المتحفز لمعاقبة أي إسراف في الإنفاق في وقت تعاني فيه بريطانيا من ارتفاع عوائد الاقتراض الحكومي وتضخم يتجاوز مستهدف البنك المركزي بسبب تداعيات حرب إيران.
لكن بورنهام، بعكس كلينتون، يواجه بيئة جيوسياسية مضطربة واقتصاداً مترهلاً يعاني من نمو بطيء وضعف مزمن في الإنتاجية، فيما تتحمل بريطانيا بالفعل جانباً من التبعات السلبية لثورة الذكاء الاصطناعي على سوق العمل، من دون استثمارات تجعلها ضمن الدول المستفيدة من التكنولوجيا الوليدة.
يُعرف بورنهام، البالغ من العمر 56 عاماً، بانتمائه إلى الجناح التقليدي ذي الميول اليسارية في حزب العمال من خلال نموذج يصفه مؤيدوه بأنه "اشتراكية صديقة للأعمال" تدعو إلى توسيع صلاحيات السلطات المحلية، مع الاهتمام بتطوير البنية التحتية، وتعزيز قطاع الإسكان، وتحسين الخدمات العامة، وهو ما نجح في تحقيقه إلى حد كبير خلال توليه منصب عمدة مانشستر الكبرى. كما يبدى استعداداً أكبر من رئيس الوزراء المستقيل لتدخل الدولة في بعض القطاعات الحيوية.
بورنهام يدرك مخاوف الأسواق
ويبدو بورنهام على دراية تامة بمخاوف الأسواق وقدرتها على إفشال خطط الحكومة، بل والإطاحة بها أيضاً، وهو ما لم تدركه رئيسة الوزراء المحافظة السابقة ليز تراس التي اضطرت للاستقالة بعد أقل من 50 يوماً في السلطة عام 2022 بسبب انهيار أسواق السندات كرد فعل على موازنة مصغرة أدت إلى ارتفاع حاد في العوائد على الدين الحكومي.
ولعل ذلك يفسر تصريح أحد ممثلي بورنهام لوكالة "بلومبرغ" منذ عدة أسابيع بأنه لا ينوي تغيير قواعد المالية العامة التي أعلنتها وزيرة الخزانة رايتشل ريفز قبل وصول حزب العمال للسلطة، والتي تنص على أن تمول الحكومة الإنفاق الجاري من عوائد الضرائب، وهو ما يفسر هدوء أسواق السندات بعد إعلان ستارمر عن استقالته.
لكن هذا الالتزام يضع بورنهام وحزب العمال بصورة عامة أمام مأزق: كيف يمكن لأي رئيس حكومة جديد تحقيق أي نتائج سريعة نسبياً إذا كانت يداه مكبلة بقيود الإنفاق، في وقت تتنامى فيه شعبية حزب "الإصلاح" اليميني والذي حقق مكاسب واسعة في الانتخابات البلدية في شهر مايو لعدة أسباب من بينها استياء الناخبين من تراجع الخدمات العامة في بريطانيا خلال العقد الماضي.
ورغم أن مسؤولية ذلك تقع على عاتق حزب المحافظين الذي حكم البلاد بين عامي 2010 و 2022، فإن غضب الناخبين دائماً ما يوجه إلى قاطن "10 داونينغ ستريت"، وهو مقر رئيس الحكومة، أياً كان اسمه أو حزبه.
متابعة عن كثب لتأثيرات بورنهام على الأسواق
في المقابل، يرى مؤيدو بورنهام أن لديه ما يكفي من "الكاريزما" الشخصية التي افتقدها ستارمر، والتي تجعله أقدر على التواصل مع الناخبين وكسب تأييدهم بصورة تنافس زعيم حزب الإصلاح الشعبوي نايجل فاراج. ولعل ذلك هو ما قاد بورنهام إلى فوز كاسح على مرشح فاراج في الانتخابات البرلمانية الأخيرة التي دشنت لعودته إلى مجلس العموم وفتحت الطريق أمامه للترشح لرئاسة الحكومة.
لكن الطريق لـ "داونينغ ستريت" لن يكون مفروشاً بالورود، فتحظى كل تصريحات بورنهام لتدقيق مزدوج: من الأسواق التي تبحث عن أي إشارة إلى انفلات مالي محتمل، ومن مؤيدي حزب العمال الذين يريدون دليلاً على أن تغيير القيادة سيعني تغييراً في السياسات لتحويل مسار الاقتصاد وتحييد خطر فاراح وحزبه.
وفي حال وصوله إلى رئاسة الوزراء، سيكون التحدي الأكبر أمام بورنهام إثبات قدرة "نموذج مانشستر" على النجاح على مستوى الدولة بأكملها، وليس في مدينة كبرى فحسب. فبينما نجح في بناء قاعدة شعبية قوية من خلال خطاب يركز على العدالة الإقليمية وتعزيز النمو المحلي، يبقى السؤال المطروح في الأوساط الاقتصادية: هل يمكن تحويل هذه الرؤية إلى استراتيجية وطنية قادرة على تنشيط الاقتصاد البريطاني واستعادة ثقة الناخبين بعد أكثر من عقد من النمو الضعيف وحالة عدم اليقين السياسي؟
المصدر:
الشرق