"مافيا الشراكات" تتحكم بـ"قطاع الصيدلة"

"مافيا الشراكات" تتحكم بـ"قطاع الصيدلة" -- Jun 30 , 2026 6

امتدّت آثار الحرب إلى مصادر رزق آلاف اللبنانيين، ومن بينهم الصيادلة الذين وجد كثيرون منهم أنفسهم خارج مهنتهم بين ليلة وضحاها. اليوم، يقف نحو 1100 صيدلي على هامش سوق العمل بعدما فقدوا صيدلياتهم أو استنزفت خسائرهم قدرتهم على الاستمرار، فيما أقفلت نحو 300 صيدلية أبوابها نهائياً، ولا سيما في الجنوب والضاحية الجنوبية بسبب الدمار الكلي والجزئي.

 

لم تدمّر الحرب الصيدليات فحسب، بل قضت أيضاً على رؤوس أموال الصيادلة التي احتاج أصحابها إلى سنوات طويلة لتجميعها، وتحتاج إعادة تكوينها إلى سنوات إضافية. كثر من الصيادلة فقدوا مخزون أدويتهم بالكامل تحت الردم. وحتى الذين نجحوا في نقل الأدوية إلى مستودعات خارج المناطق المُهدّدة، وجدوا أنفسهم أمام خسارة من نوع آخر، بعدما انتهت صلاحية كميات كبيرة منها من دون القدرة على تصريفها.

ويحمّل عدد من الصيادلة وزارة الصحة ونقابة صيادلة لبنان جزءاً من مسؤولية هذه الخسائر. ويوضح هؤلاء لـ«الأخبار» أنهم تقدّموا منذ بداية الحرب باقتراحات عدة لتخفيف الأضرار، من بينها إعداد خطة لنقل الأدوية من الصيدليات المُهدّدة إلى مستودعات مُخصّصة أو إلى مبنى النقابة وبيعها، ولو برأس المال، بدلاً من خسارتها تحت الركام. كما طالبوا بالمساعدة في تصريف الأدوية التي بادروا إلى إخراجها بأنفسهم قبل انتهاء صلاحيتها، وصولاً إلى اقتراح تشكيل لجنة من الصيادلة المتضررين لوضع خطة تحدّ من حجم الخسائر. إلا أن هذه المطالب بقيت من دون استجابة فعلية، فيما كان الجواب المتكرر من وزارة الصحة أنها «تحت ضغط كبير»، بحسب أحد الصيادلة.

وأمام غياب أي معالجة رسمية، لجأ بعض الصيادلة إلى حلول فردية، فتواصلوا مع عدد من المستودعات وعرضوا بيع ما لديهم من أدوية مقابل الحصول لاحقاً على فواتير أدوية بديلة بدلاً من الدفع النقدي. وهي تسوية ارتجلها أصحاب المهنة في محاولة للحفاظ على الحد الأدنى من مقوّمات بقائهم، في وقت غابت فيه الدولة عن واحدة من أكثر الأزمات إيلاماً التي أصابت القطاع.

ولم تقتصر الخسائر على أصحاب الصيدليات التي دُمّرت أو تضرّرت، بل طاولت أيضاً من استمروا في ممارسة مهنتهم. ففي ظل الانقطاع المُزمن للعديد من الأدوية الأساسية منذ بداية الأزمة المالية، وما رافقه من اعتماد بعض الشركات سياسة تجميع الطلبيات وتوزيعها في يوم واحد أسبوعياً، إضافة إلى انقطاع أصناف أخرى من مستودعات الأدوية نفسها، ازدادت الضغوط على الصيادلة بشكل كبير.

ويضاف إلى ذلك عدم ثبات أسعار المستلزمات التي تشكّل مورداً أساسياً للصيدليات، مثل مواد التجميل والمتمّمات الغذائية وغيرها، بعدما فقدت أسعارها أيّ استقرار. كل ذلك دفع الصيادلة إلى خيارات لم تكن مطروحة بهذا الحجم سابقاً، أبرزها البحث عن شركاء يساعدونهم على الاستمرار في السوق، ما فتح الباب أمام «ظاهرة خطيرة تتمثّل في هجمة غير طبيعية من مموّلين غير صيادلة للاستثمار في القطاع»، بحسب عضو مجلس نقابة صيادلة لبنان وعضو لجنتها الإدارية الدكتور سهيل الغريب، الذي يحذّر من «مافيا تستغل باب الشراكة لاستئجار شهادات الصيادلة والدخول إلى السوق عبر إنشاء صيدليات ضخمة، الأمر الذي يهدّد بتحويل القطاع إلى ساحة تجارة بحتة».

وفي الوقت الذي تتوسّع فيه مظاهر التجارة والسمسرة داخل القطاع، مستفيدة من حاجة بعض الصيادلة إلى من يسندهم مالياً، وجد آخرون أنفسهم خارج المهنة تماماً بعدما دُمّرت مصادر رزقهم خلال الحرب الأخيرة، لينضموا إلى صفوف العاطلين عن العمل إثر عجزهم عن إيجاد فرص عمل جديدة.

وتشير إحصاءات نقابة الصيادلة إلى نزوح نحو 1100 صيدلي عن أماكن عملهم وعن المهنة نفسها، سواء بسبب تدمير صيدلياتهم أو إقفالها لوقوعها في مناطق خطرة، من دون أن يتمكّنوا من تأمين عمل بديل. ويلفت الغريب إلى أنه من بين نحو 700 صيدلي بحثوا عن فرص عمل، تمكّن عشرون منهم فقط من إيجاد وظائف.

وفيما يُعوَّل على تراجع هذه الأرقام مع عودة عدد من الصيادلة، ولا سيما في الضاحية ، إلى إعادة فتح صيدلياتهم بعد نزوح بين 200 و300 صيدلي، إلا أن ذلك لن يخفّف من وطأة الأزمة على من خسروا صيدلياتهم بالكامل، في ظل فائض كبير في أعداد الصيادلة داخل قطاع مُتخم أساساً. ويشير الغريب إلى أن النقابة اقترحت على وزارة الصحة دعم جعالة الصيدلي لإبقائه «واقفاً على قدميه»، على أن يقتطع الصيادلة العاملون نسبة من أرباحهم لمدة سنة تُخصّص لدعم الصيادلة النازحين والمتضرّرين، إلا أن هذا الاقتراح لم يُبحث أو يُتّخذ أي قرار في شأنه حتى الآن.

أمّا على مستوى الصيدليات، فقد بلغ عدد الصيدليات المُقفلة منها نحو 900 مع بداية الحرب، نتيجة موجات التهديد والنزوح من المناطق المُستهدفة. ومع بدء سريان وقف إطلاق النار، تراجع العدد إلى نحو 400 صيدلية، معظمها في المناطق الأكثر تضرّراً، ولا سيما في الجنوب، بعدما تعرّضت لتدمير كلي أو جزئي. وحتى الآن، لم تتمكّن نقابة صيادلة لبنان من حصر العدد النهائي للصيدليات المُقفلة بانتظار التبليغات النهائية من أصحابها، فيما تشير المُعطيات المتوافرة إلى تسجيل 130 صيدلية مُدمّرة حتى الآن.

راجانا حمية - الاخبار

أقرأ أيضاَ

الحرب تُنعِش قطاعاتٍ اقتصادية في الشمال: استفادة "ظرفية ومحدودة"!

أقرأ أيضاَ

أسواق الضاحية الجنوبية: الاستهلاك يقتصر على الضروريات