الدولار أمام أقوى اختبار لهيمنته منذ نصف قرن.. هل البدائل أكثر أماناً؟

الدولار أمام أقوى اختبار لهيمنته منذ نصف قرن.. هل البدائل أكثر أماناً؟ -- Jul 02 , 2026 245

يتعرض الدولار الأميركي لأكبر اختبار لمكانته في الاقتصاد العالمي منذ نحو نصف قرن، عندما أدى تراجع سعر صرف العملة لعدة سنوات خلال صدمة "الركود التضخمي" في السبعينيات إلى توجه البنوك المركزية لزيادة نصيب المارك الألماني والفرنك السويسري والين الياباني في الاحتياطات النقدية.

استعاد الدولار قوته مع منتصف العقد التالي، وانتهى الحديث في ذلك الوقت عن أي تهديد لهيمنة العملة الخضراء، وفق دراسة لـ"بنك التسويات الدولية" عام 1986.

ولكن هذه المرة يبدو الاختبار أكثر صعوبة وسط تهديد مزدوج يقوّض ثقة المستثمرين ومديري الاحتياطيات النقدية عالمياً في العملة الخضراء.

التهديد الأول يتمثل في ارتفاع الدين العام الأميركي لمستويات قياسية مع زيادة مطردة في عجز الموازنة وعجز الحساب الجاري. أما الثاني فيتمثل في تهديدات جيوسياسية، أو تحديداً السياسة الخارجية لإدارة الرئيس دونالد ترمب، التي تدفع عدداً متزايداً من الدول لمحاولة تفادي نظام المدفوعات العالمي الذي يسيطر عليه الدولار، أو التحوّط عبر إعادة تشكيل الاحتياطات الرسمية لتكون أكثر تنوعاً.  

سابقة في الاحتياطيات
أظهر استطلاع حديث أجراه "المنتدى الرسمي للمؤسسات النقدية والمالية" تحوّلاً لافتاً في نظرة مديري الاحتياطيات العالمية إلى الدولار، إذ يخطط عدد متزايد من البنوك المركزية لخفض الانكشاف طويل الأجل على العملة الأميركية خلال العقد المقبل، مقارنة بتلك التي تعتزم زيادتها، في سابقة هي الأولى منذ بدء المسح في رصد هذا الاتجاه عام 2023. 

يشير المسح، الذي شمل 90 بنكاً مركزياً وصندوق تقاعد عاماً وصندوقاً سيادياً تدير مجتمعة أصولاً تقارب 10 تريليونات دولار، إلى أن المستثمرين الرسميين باتوا يتعاملون مع التقلبات الجيوسياسية والمالية باعتبارها "سمة دائمة" لا صدمة عابرة. 

والنتيجة هي رغبة في تنويع الاحتياطات على حساب الدولار، حيث تتوقع البنوك المركزية التي شملها التقرير أن يبلغ متوسط نصيب الدولار من احتياطاتها خلال عشر سنوات 52%، مقابل 23% لليورو و5% لليوان الصيني. أما الذهب، فيصفه التقرير بأنه المستفيد الأبرز من هذه التغييرات.

 

الدولار يسيطر
يمكن النظر لهذه النتائج من زاويتين مختلفتين. الأولى هي أن الدولار سيظل العملة المسيطرة على أكثر من نصف احتياطيات البنوك المركزية في العالم. كما أنه يتمتع بدور محوري في نظام المدفوعات، ولا يبدو أنه تحت أي تهديد حقيقي، بحسب بول كروغمان، الاقتصادي الأميركي الحائز على جائزة "نوبل"، مستشهداً ببيانات "بنك التسويات الدولية" التي أظهرت العام الماضي أن الدولار كان طرفاً في 89% من معاملات سوق الصرف الأجنبي حول العالم.

عملياً، يعني ذلك أن أي بنك يحاول، على سبيل المثال، تحويل مبلغ بالجنيه المصري إلى الروبية الهندية، فإنه سيحوّل الجنيه إلى الدولار الأميركي أولاً، ثم يحول الدولار إلى العملة الهندية، لأن القيام بذلك أسهل بكثير من العثور على بنك آخر مستعد للتعامل بالجنيه مباشرة. بمعنى آخر، يمكن اعتبار الدولار بمثابة "اللغة الإنجليزية" لأسواق التمويل.

كما أن عوامل سياسية وأخرى اقتصادية تحول دون تشكيل اليورو أو اليوان تهديداً "وجودياً" لدور الدولار، من بينها فشل أعضاء الاتحاد الأوروبي حتى الآن في الاستقرار على سياسة مالية مشتركة، أو حتى سندات سيادية، لمساندة اليورو، وهو ما يشكل نقطة ضعف هيكلية للعملة الموحدة. أما الصين، فلا تزال مترددة في فتح أسواقها المالية أمام التدفقات النقدية الأجنبية بحرية، وهو ما يحد من عمق السيولة في سوق اليوان. 

درس الذهب
من جهة أخرى، يرى كروغمان نفسه، في مقال نشره يوم 29 يونيو على منصة "سابستاك" (Substack)، أن حرب إيران دقت مسماراً جديداً في نعش الدولار كسلاح تستطيع الولايات المتحدة استخدامه ضد الخصوم السياسيين، لأن العديد منهم أصبح يحاول الالتفاف على نظام المدفوعات الذي يمر عبر المصارف الأميركية. 

ويدلل كروغمان على ذلك بقدرة إيران على بيع نفطها للصين مقابل اليوان، أو فرض إتاوات بالعملة الصينية أو العملات المشفرة على بعض السفن مقابل عبور مضيق هرمز. ويضيف أن الحرب "قدمت درساً قاسياً في استخدام اليوان كعملة بديلة... كما أعطت دفعة لنظام المدفوعات الصيني العابر للحدود".

كما أن نصيب الدولار من الاحتياطات الأجنبية، وإن كان أكثر من النصف، فهو في تراجح مستمر منذ مطلع القرن الحالي، عندما بلغ نسبته في 2001 أكثر من 70%.

ولكن أي النظرتين أقرب إلى الواقع؟ كلاهما صحيح. فالدولار لم يفقد مكانته كأهم عملة عالمية، لكن هذه السيطرة تواجه عدداً غير مسبوق من وسائل التحوّط، من دون أسباب تحول دون نموها على المدى المتوسط والطويل. ويكفي أن نشير هنا إلى "المنتدى الرسمي للمؤسسات النقدية والمالية" الذي ذكر في تقريره الأخير أن الدافع الرئيسي وراء اكتناز البنوك المركزية للذهب أصبح "استراتيجياً أكثر مما هو مالي بحت".

ومع ذلك، فإن الرهان ضد الدولار على المدى القصير محفوف بالمخاطر للمستثمر العادي. ولنا في الذهب (أيضاً) عبرة، مع هبوط أسعاره لأكثر من 20% من ذروتها خلال الحرب، بسبب الإقبال على شراء الدولار مع تزايد التوقعات برفع الاحتياطي الفيدرالي لأسعار الفائدة.

الخلاصة؟ هيمنة الدولار لم تعد من المسلّمات، لكن البدائل ليست "بوليصة تأمين مضمونة" هي الأخرى.

المصدر:
الشرق بلومبرغ

أقرأ أيضاَ

أسهم الرقائق تهبط في آسيا مع تجدد مخاوف الذكاء الاصطناعي

أقرأ أيضاَ

بعد أسوأ ربع منذ 13 عاماً.. أسعار الذهب ترتفع وهذه آخر الأرقام