السياحة تحت النار… مليارات تتبخرّ وفرص تضيع -- Jul 15 , 2026 13
لم يعد القطاع السياحي في لبنان مجرّد نشاط موسمي، بل بات أحد المؤشرات الأكثر دلالة على صحة الاقتصاد وقدرته على استقطاب العملات الأجنبية وتحريك عجلة الإنتاج والخدمات. فكل تراجع في الحركة السياحية ينعكس مباشرة على معدلات النمو، وفرص العمل، وإيرادات المؤسسات، ويطال سلسلة واسعة من القطاعات الاقتصادية التي ترتبط بالسياحة ارتباطًا عضويًا، ما يجعلها من أكثر القطاعات تأثرًا بالاضطرابات الأمنية والسياسية.
بين الآمال التي كانت مُعلقة على موسم سياحي قادر على رفد الاقتصاد بمليارات الدولارات، والواقع الذي فرضته التطورات الأمنية، تبدّدت توقعات التعافي لتحلّ محلها خسائر متراكمة وفرص نمو ضائعة. وفي ظل هذا الواقع، تتسع الكلفة الاقتصادية للحرب مع تراجع أحد أبرز القطاعات المولدة للعملات الأجنبية، بما ينعكس سلبًا على النشاط الاقتصادي، وفرص العمل، وقدرة الاقتصاد اللبناني على تحقيق النمو.
"صدمة سلبية"
يوضح الخبير الاقتصادي نسيب غبريل لـ "نداء الوطن"، أن "القطاع السياحي لا يُعاني فقط من تداعيات الحرب الحالية، بل دخل في مسار تراجعي منذ اندلاع حرب الإسناد الأولى في الثامن من تشرين الأول 2023، بعدما كان لبنان يتجّه لتسجيل عام سياحي استثنائي"، مؤكدًا أن "عام 2023 انطلق بزخم كبير، ولم يقتصر النشاط على موسم الصيف، بل كانت المؤشرات تؤكد قدرة لبنان على استقطاب السياح على مدار العام، قبل أن يشكل اندلاع حرب الاسناد الأولى صدمة سلبية أطاحت بالثقة وأدت إلى توقف شبه كامل للحركة السياحية، باستثناء عودة المغتربين خلال عيدي الميلاد ورأس السنة".
ويُبيّن أن "عام 2024 بدأ وسط حالة من التحفظ في ظل استمرار الحرب، واقتصر النشاط السياحي على أشهر الصيف، حيث سجل شهرا حزيران وتموز أداءً مقبولا، إلا أن تدهور الوضع الأمني في أواخر تموز، وما تبعه من تصعيد إسرائيلي اعتبارًا من أيلول، أدى إلى شلل كامل في الحركة السياحية حتى نهاية العام".
ويشير غبريل إلى أن "عام 2025 شهد تحسنًا مقارنة بعام 2024، مع استقبال نحو 1.6 مليون زائر، بزيادة تقارب 45 % عن الـ 2024، إلا أن هذا الرقم بقي دون الإمكانات الفعلية للبنان". ويؤكد أن "الإيرادات السياحية بلغت نحو 5.6 مليارات دولار عام 2023، قبل أن تتراجع إلى 4.7 مليارات دولار في عام 2024 بفعل الحرب، فيما بقيت خلال عام 2025 عند مستويات مقاربة، رغم ارتفاع عدد الوافدين، ما يعكس انخفاض متوسط إنفاق الزائر".
تبدّد الآمال والتوقعات
يصف غبريل التوقعات التي سبقت عام 2026 بأنها كانت "واعدة للغاية، إذ كان من المنتظر أن يشهد لبنان موسمًا سياحيًا مميزًا يبدأ مع أعياد الفطر والفصح والأضحى، ويتواصل خلال فصل الصيف، بالتوازي مع عودة سياحة الأعمال عبر مؤتمرات إقليمية، فضلا عن موسم أعراس استثنائي بعدما أرجأ عدد كبير من المغتربين حفلات زفافهم من صيف 2025 إلى صيف 2026، أملا باستقرار الأوضاع".
غير أن غبريل يلفت إلى أن "اندلاع حرب الإسناد الثانية أطاح بهذه التوقعات، بعدما ألغيت أو أُرجئت المؤتمرات الإقليمية والمحلية إلى أجل غير مسمى، وتقلص موسم الأعراس بصورة ملحوظة، كما ألغيت كل المهرجانات الكبرى، ما أدى إلى تجميد مختلف المشاريع التي كانت تعول عليها الحركة السياحية".
ويؤكد أنه "لم يعد من الواقعي التعويل على تحقيق إيرادات سياحية توازي ما سجل في العاميْن الماضيين"، موضحًا أن "الوافدين خلال الموسم الحالي يقتصرون بمعظمهم على مغتربين قادمين من الدول القريبة، ودول الخليج العربي، وأفريقيا وأوروبا، بعد استئناف الرحلات الجوية، في حين ألغى معظم المغتربين المقيمين في أميركا الشمالية وأميركا اللاتينية وأستراليا زياراتهم إلى لبنان بسبب استمرار الضبابية الأمنية، بينما اختصر آخرون مدة إقامتهم حرصًا على العودة إلى أعمالهم".
ضياع فرص نمو
ويُشدّد غبريل على أن "القطاع السياحي يبقى الأكثر تضررًا من الحرب"، مشيرًا إلى أن "الاقتصاد اللبناني خسر فرص نمو كبيرة، إذ كانت التوقعات تشير إلى تحقيق نمو لا يقل عن 4 % خلال عام 2026، فيما تتحدث التقديرات الحالية عن انكماش يتراوح بين 10 و12 %، ما يعني ضياع فرص نمو تتراوح بين 14 و16 % خلال العام الجاري وحده، لترتفع إلى نحو 26 % عند احتساب الفرص الضائعة في الأعوام 2023 و2024 مع العام 2026".
ويضيف أن "تداعيات الأزمة لا تقتصر على القطاع السياحي وحده، بل تمتد إلى ما لا يقل عن 12 قطاعًا اقتصاديًا يرتبط نشاطها مباشرة بالحركة السياحية". كما يلفت إلى أن "قطاع السفر والسياحة وفر خلال عام 2025 ما بين 380 و400 ألف فرصة عمل دائمة وموسمية"، مرجحًا "تراجع هذا العدد بشكل حاد خلال عام 2026 نتيجة إلغاء الأعراس والمهرجانات، وانخفاض أعداد الوافدين إلى لبنان".
كما يلفت إلى أن "عودة المواجهات العسكرية بين الولايات المتحدة الأميركية وايران في الأيام الأخيرة واستهداف إيران مجددًا لدول الخليج العربي أدّى إلى إلغاء العديد من المغتربين حجوزاتهم إلى لبنان، ما يشكل ضربة إضافية للموسم السياحي".
ماذا عن الإجراءات؟
عن الإجراءات الكفيلة بالحد من الخسائر، يعتبر غبريل أن "المدخل الأساسي يتمثل في التوصل إلى اتفاق يضع حدًا للحرب بصورة مستدامة"، مؤكدًا أن "الأمن والاستقرار يشكلان الركيزة الأولى لاستعادة الثقة، وهنا تبرز أهمية مبادرة الرئيس جوزاف عون في التفاوض للتوصل إلى وقف مستدام لاستخدام لبنان كمنصة لحروب الآخرين، قبل الانتقال إلى معالجة الملفات الأخرى، وفي مقدمها البنية التحتية، وتنظيم السير، وكلفة السفر والإقامة".
ويرى أن "استعادة الاستقرار من شأنها إعادة لبنان إلى خارطة السياحة الإقليمية بمختلف أنواعها، سواء سياحة الأعمال أو السياحة الترفيهية والبيئية والدينية والاستشفائية والثقافية"، مستشهدًا بما "حققه لبنان عام 2023، وبالإيرادات السياحية القياسية التي بلغت 9 مليارات دولار عام 2019".
ويؤكد أن "التعويل على السياحة الداخلية، رغم أهميته في تنشيط المنتجعات والمطاعم والمقاهي، يبقى غير كافٍ لتعويض تراجع السياحة الوافدة، لأنها لا تؤمن تدفقات مالية من الخارج، في حين تشكل الإيرادات السياحية ثاني أكبر مصدر للعملات الأجنبية بعد تحويلات المغتربين، التي بلغت نحو 6.5 مليارات دولار عام 2025، مقابل إيرادات سياحية قاربت 4.6 مليارات دولار في السنة الماضية"، مشيرًا إلى أن "المعدل السنوي لتحويلات المغتربين بلغ 6.5 مليار دولار بين الـ 2002 و الـ 2024 بينما بلغ معدل الايرادات السياحية 6 مليار دولار سنويًا خلال الفترة ذاتها".
ويختتم غبريل بالإشارة إلى "غياب مبادرات حكومية فعلية لتخفيف الأعباء التشغيلية عن المؤسسات السياحية، كإلغاء الرسم على صفيحة البنزين أو الغاء ضرائب ورسوم وتعليق التعرفة الجمركية على السلع والخدمات المتعلقة بالسياحة"".
في الخلاصة، تبدو آفاق القطاع السياحي مرهونة بتطورات المشهد الأمني أكثر من أي عامل آخر، ما يجعل استعادة الاستقرار شرطًا أساسيًا لإعادة تنشيط أحد أهم القطاعات المولدة للإيرادات وفرص العمل والعملات الأجنبية، ووضعه مجددًا في موقعه كرافعة للنمو الاقتصادي.
رماح هاشم - نداء الوطن