"سوليدير" أمام تمديد مشروط... وزير المال: لا إخراج للشركة من المشهد

"سوليدير" أمام تمديد مشروط... وزير المال: لا إخراج للشركة من المشهد -- Aug 12 , 2026 6

بعد أكثر من 3 عقود على إنشاء "سوليدير" لإعادة إعمار وسط بيروت، اختارت الحكومة التفاوض مع الشركة قبل حسم قرار التمديد أو عدمه، واضعة أمامها إطارا جديدا للعلاقة لا يقوم على تمديد طويل وغير مشروط، بل على تنفيذ التزامات ومشاريع محددة يمكن قياسها ومحاسبة الشركة على تأخيرها. فطلب "سوليدير" تمديد مدتها 25 عاما إضافية لم يلقَ موافقة مباشرة، بل فتح مفاوضات تتناول التدقيق في حسابات الشركة وأصولها، والإطار المالي والضريبي، والعقارات غير المستغلة، والمشاريع العامة والثقافية العالقة.

وبحسب ما يقول وزير المال ياسين جابر لـ"النهار"، فإن الاتجاه العام لا يبدو نحو إخراج "سوليدير" من المشهد، بل نحو تمديد مشروط وتشديد الالتزامات التي لم تنفذ. ويلفت إلى أن "عددا من الشروط كان مرتبطا أصلا بمرحلة إنشاء الشركة، ومنها مواقف السيارات تحت الأرض، والحديقة العامة التي تقدّر مساحتها بـ60 ألف متر في وسط بيروت، وأعمال الصيانة وغيرها، وهي ملفات يتوقع أن تحضر بقوة في المفاوضات المقبلة، خصوصا أن الشركة تفيد من إعفاءات كثيرة يُفترض أن تساهم في تنمية وسط بيروت وفق الهدف الذي أنشئت من أجله الشركة".


8 سنوات للاختبار
المحضر الرسمي الرقم 70 والقرار الرقم 11 الصادران عن مجلس الوزراء في 7 آب 2026 رسما إطارا تفاوضيا يقوم على التمديد المرحلي. ومن الأفكار التي طرحتها الحكومة، تمديد أولي لمدة 8 أعوام، على أن يجدد 6 سنوات إضافية بقرار من مجلس الوزراء بعد التحقق من التزام الشركة مؤشرات الأداء الرئيسية (KPIs). كذلك طُرح فرض غرامات مالية على التأخير أو الإخلال الجوهري بالالتزامات.

وتؤكد مصادر متابعة أن "مدة التمديد وآليات التنفيذ والمهل الزمنية لا تزال جزءا من المفاوضات، أي أن السنوات الثماني ليست قرارا نهائيا بقدر ما هي صيغة مطروحة للتفاوض. وفي المقابل، فإن الاتجاه السياسي الواضح هو لربط أي تمديد بما ستنفذه الشركة فعليا، وعدم التمديد طويلا من دون شروط".

التدقيق قبل التمديد
قبل الانتقال إلى أيّ إجراء رسمي، طلبت الحكومة من "سوليدير" استكمال المتطلبات القانونية والإجرائية، وفي مقدمها إفادة براءة ذمة ضريبية، وتدقيق مستقل في حسابات الشركة وأصولها ورصيدها العقاري، إضافة إلى قرار من الجمعية العمومية يطلب التمديد وفق القانون 117 ونظام الشركة.


ويكتسب التدقيق أهمية خاصة في ضوء رغبة الحكومة في تكوين صورة دقيقة عن الأصول العقارية للشركة، وما تم تطويره منها وما بقي شاغرا أو غير مستغل، قبل تحديد شروط أيّ تمديد جديد.

إعادة النظر في الامتيازات والضرائب
تفتح الحكومة أيضا ملف المنافع التي حصلت عليها "سوليدير" منذ عام 1994، ومنها حقوق الردم في الواجهة البحرية ونقل ملكية أراضٍ والإعفاءات والتسهيلات الضريبية والمالية. وتريد البحث في آلية تحد من احتفاظ الشركة بالأراضي غير المطورة والعقارات المطورة وغير المستغلة، بما يشجع على تفعيلها وإحياء وسط بيروت.

كذلك تقترح إخضاع المشاريع المستقبلية المدرّة للدخل، بما فيها بيع الأراضي وتأجيرها والمشاريع الإنشائية الجديدة، لإطار مالي وضريبي محدث يشمل ضريبة الدخل على الشركات ورسوم التسجيل العقاري.

وربطت الحكومة أيّ تمديد بقائمة من المشاريع ذات الأولوية، وفي مقدمها استكمال الحديقة العامة البحرية، مع مراعاة التكيف مع التغير المناخي وتوفير مواقف للسيارات وربط الكورنيش البحري من الرملة البيضاء إلى مرفأ بيروت.


وتشمل الأولويات أيضا استكمال تطوير ساحة الشهداء وفق المخطط المعتمد وتصميم رينزو بيانو، وإنجاز الموقف العام تحتها أو إيجاد بديل في حال تعذر ذلك لأسباب أثرية، ووضع خطة للنقل والمشاة.

وفي المجال الثقافي والتراثي، تبرز مشاريع متحف تاريخ مدينة بيروت وحديقة التل الأثري، وترميم المسرح الكبير في الباشورة المشيد عام 1929، وتطوير "حديقة الغفران". وتطالب الحكومة باستكمال تطوير الحوض الشرقي في المرفأ السياحي ونقل ملكية موقف السيارات العام المجاور للحوض الغربي إلى بلدية بيروت عند انتهاء مدة الشركة.

وتريد الحكومة، بعد إنجاز المواقع الثقافية والتراثية، انتقال ملكيتها إلى القطاع العام، بما يتيح تشغيلها وإدارتها وفق وظيفتها العامة.

وسط بيروت ليس منطقة معزولة
لا تتوقف المقاربة الحكومية عند المشاريع العقارية، بل تتطلع إلى إعادة دمج وسط بيروت في النسيج العمراني للمدينة، عبر حوافز لاستقطاب الطبقة الوسطى والمؤسسات والشركات الصغيرة والمتوسطة، وإنشاء منطقة للفنون والحرف والتصميم والأزياء تضم محترفات واستوديوات ميسّرة.


كذلك تشمل الخطة تحسين الربط المروري ومسارات المشاة، ومعالجة الاختناقات المتوقعة على الواجهة البحرية، وربط نطاق "سوليدير" بالمرفأ والجميزة ومار مخايل، بما يمنع تحول وسط بيروت إلى منطقة منفصلة عن محيطها.

وبحسب مصادر متابعة، فإن فتح الحكومة هذا المسار لا ينفصل عن وجود ضغوط سياسية في اتجاه تمديد ولاية "سوليدير"، في مقابل اعتراضات على إعطائها تمديدا طويلا بالشروط القديمة. وترى المصادر أن صيغة التمديد المرحلي المشروط تمثل محاولة للتوصل إلى حل وسط بين الاتجاهين: عدم إخراج الشركة من المشهد، وفي الوقت نفسه عدم التمديد بلا شروط.
أما قاعدة بيروت البحرية التابعة للجيش اللبناني، فتُترك مناقشتها للجنة الوزارية بالتنسيق مع وزارة الدفاع الوطني، على أن يبقى القرار النهائي في شأنها لمجلس الوزراء. وقد أوضح الوزير بول مرقص أن ما أقرته الحكومة هو إطار للتفاوض مع الشركة، وليس قرارا نهائيا بالتمديد.

لا يبدو أن معركة "سوليدير" دخلت مرحلة الحسم، بل مرحلة تفاوض دقيقة. فالشركة تريد تمديدا جديدا، والحكومة لا تغلق الباب، لكنها تريد في المقابل إنجازا فعليا والتزاما لتنفيذ المشاريع والضرائب والأصول. وإذا كانت السنوات الثماني ستشكل الصيغة التي تستقر عليها المفاوضات، فإنها ستكون عمليا فترة اختبار، لا مجرد سنوات إضافية، فيما سيكون الاختبار الحقيقي للدولة في قدرتها على متابعة التنفيذ وفرض الشروط التي وضعتها بنفسها.

سلوى بعلبكي- النهار

أقرأ أيضاَ

المالية تذكّر مستخدمي "صيرفة" بمهلة التصريح عن أرباح الدولار والضريبة 17%

أقرأ أيضاَ

تحذير من خطرٍ يهدد الجنوب.. الأرض والمياه والزراعة في دائرة الأضرار