مؤسسة الكهرباء تفتح ملف الفواتير: أين ذهبت الأموال؟

مؤسسة الكهرباء تفتح ملف الفواتير: أين ذهبت الأموال؟ -- Aug 18 , 2026 125

انقضى اليوم الأوّل من مهلة الـ "خمسة أيام عمل" التي أعطتها مؤسسة كهرباء لبنان للإدارات والمؤسسات العامة، وعموم أشخاص القطاع العام باستثناء المستشفيات الحكومية، "لسداد ما يتوجّب عليها من متأخرات وفواتير كهرباء إلى المؤسسة"، من دون أي سداد. ومن المنتظر بانتهاء هذه المهلة؛ أي يوم الخميس المقبل "قطع التيار الكهربائي" عن المؤسسات التي لم تدفع، وفق ما جاء في بيان للمؤسسة، ذكرت فيه جملة من الخطوات ستقوم بها بالتوازي مع الإنذار بقطع الكهرباء، ومنها "البدء بتحصيل فواتير استهلاك الكهرباء في مخيمات اللاجئين الفلسطينيين، خلال شهر"، إضافة إلى "تفعيل حملات نزع التعديات على الشبكة".


وعلى أهمية الخطوات المقترحة، إلاّ أنّ أزمة المهلة المعطاة للإدارات والمؤسسات العامة لدفع متأخراتها، لا تنحصر بكونها قصيرة جداً، بل هي تنطوي على مغالطات كثيرة، أبرزها أنّها تتجاوز القوانين والأصول الإدارية في التعامل مع إدارات الدولة ومؤسساتها والموازنة العامة وطريقة صرف المال العام، فضلاً عن أنّ جزءاً أساسياً من أسباب الأزمة التي تغرق فيها مؤسسة الكهرباء يقبع داخل المؤسسة نفسها، ومنها معضلة التأخّر في إصدار الفواتير. لذلك، إذا كانت مؤسسة الكهرباء قد فتحت ملفّ الفواتير بسقف مرتفع، فهل يؤدّي ذلك إلى تدقيق شامل في حسابات المؤسسة وتبيان الأموال التي صُرِفَت للبقاء في العتمة؟

رفع الصوت

مع رفع التعرفة في العام 2022، حسّنت مؤسسة الكهرباء وضع ماليّتها، لكن انعكاس الحرب الأميركية الإيرانية على أسعار النفط جعل الوفر المالي في سباق مع الأسعار، وهو ما قلّص قدرة المؤسسة على استيراد كميات كافية من الفيول لزيادة ساعات التغذية. وعلى سبيل المثال "قاربت مستويات السعر العالمي للغاز أويل 1500 دولار أمريكي للطن المتري الواحد، في حين كانت مؤسسة كهرباء لبنان قد أعدّت موازنتها للعام 2026 على أساس سعر حوالي 680 دولاراً أمريكياً، أي بارتفاع راوح من 88 إلى 91 في المئة عالمياً".

بالتوازي مع ذلك، فإنّ "الخيار الطبيعي" لمواجهة الواقع الذي يضغط على مالية المؤسسة، هو "إعادة النظر في الأسعار"، وفق وزير الطاقة جو الصدي. إلاّ أنَّ هذا الخيار لم يمرّ في مجلس الوزراء، الذي رأى أنّ "الوقت غير مناسب الآن لتعديل التعرفة، نظراً للظروف الاجتماعية والاقتصادية الصعبة التي يمر بها البلد". ولذلك، رفعت المؤسسة الصوت باتجاه إدارات الدولة والمخيّمات والمناطق التي تشهد تعديات على الشبكة ولا تدفع الفواتير. وبالتالي، فإنّ مهلة الأيام الخمسة أمام الدولة ومهلة الشهر أمام المخيّمات والبدء بحملة نزع التعديات على الشبكة، قد تشكّل نقطة بداية لتحسين واقع القطاع على المستوى المالي. وكما للعقاب مكانه عبر قطع التيار عن المناطق التي ترتفع فيها نسبة الهدر غير الفني ولا تلتزم بدفع الفواتير، للثواب مكانه أيضاً عبر "تركيز ساعات التغذية بحدها الممكن في المناطق التي تسجّل أقل نسب هدر غير فني".

التدقيق في الحسابات

من وجهة نظر المؤسسة، تُختَصَر القضية بأنّ الدولة يجب أن تدفع ما عليها خلال خمسة أيام. لكن في التطبيق، الواقع أكثر تعقيداً ممّا يبدو. وإذا فتحت مؤسسة الكهرباء دفاترها أمام إدارات الدولة ومؤسساتها، فإنَّ لدى الدولة دفاتر لتفتحها في وجه مؤسسة الكهرباء، على أنَّ يكون ديوان المحاسبة هو الحَكَم.

ولتبسيط المسألة، فإنّ مؤسسة عامة كالمصلحة الوطنية لنهر الليطاني، على سبيل المثال لا الحصر، تدين لمؤسسة الكهرباء بنحو 712 مليون ليرة، كانت تساوي نحو 475 ألف دولار قبل انهيار سعر صرف الليرة، وباتت تساوي اليوم نحو 8 آلاف دولار. لكن في الوقت نفسه "تدين مؤسسة الكهرباء للمصلحة بمبالغ مالية هائلة. كما أنّ التأخّر في الدفع يعود إلى تأخّر المؤسسة بإرسال الفواتير للمصلحة في مواعيدها"، وفق ما تقوله مصادر متابعة للملف، والتي تشير في حديث إلى "المدن" إلى أنّ مؤسسات الدولة، ومنها مصالح ومؤسسات المياه، "تتبع إلى وزارة الطاقة والمياه كسلطة وصاية، والتي تصادق على موازناتها، فلماذا تغاضت الوزارة عن عدم رصد مبالغ مالية لتغطية فواتير الكهرباء؟ كما أنّ مصالح ومؤسسات المياه لا يمكنها أن ترصد في موازناتها عن السنة الحالية مثلاً أموالاً لدفع فواتير غير معروفة، ستأتي عن سنة 2024". وتكشف المصادر أنّ أخطاء مؤسسة الكهرباء لا تكمن فقط في تأخير الفوترة، وإنما أيضاً في "إعادة إصدار فواتير مدفوعة".

وفي هذا السياق، يقول المدير العام للمصلحة الوطنية لنهر الليطاني سامي علوية إنّ هذا الملف "لا يمكن حلّه بهذه السهولة التي تعتقدها مؤسسة كهرباء لبنان". ويشير في حديث إلى "المدن" إلى أنّ مسار الحل يبدأ من "تحويل الملف إلى ديوان المحاسبة، حيث يتم التحقيق فيه وتحديد المسؤوليات". وفي جميع الأحوال "لا يمكن لكهرباء لبنان التأخّر في إصدار الفواتير لسنوات، وتطالب إدارات الدولة بالسداد خلال 5 أيام. كما أنّ على المؤسسة اعتماد نظام فوترة مستقل للإدارات والمؤسسات العامة". ويلفت علوية النظر إلى أنَّه "إذا كانت كهرباء لبنان استثنت المستشفيات من قطع الكهرباء في حال عدم الدفع، حفاظاً على صحة الناس، فإنّ مؤسسات ومصالح المياه هي عنصر أساسي لصحة الناس والمصلحة العامة، ولا يجوز قطع الكهرباء عنها".

مهلة زمنية بلا قيمة

إحالة الملف إلى ديوان المحاسبة هو أوّل الغيث، ليس فقط لوضع الأمور في نصابها القانوني الصحيح، بل أيضاً للتدقيق في كامل المسار المالي للعلاقة بين الدولة ومؤسسة كهرباء لبنان، بما في ذلك سلفات الخزينة التي أخذتها المؤسسة على مدى سنوات، وأهدِرَت من دون كهرباء. على أنّ مطالبة مؤسسة كهرباء لبنان إدارات الدولة ومؤسساتها بدفع متوجباتها خلال 5 أيام، هو أمر "يخرج عن الأطر القانونية والأصول المتّبعة"، على حدّ تعبير المدير العام السابق للاستثمار في وزارة الطاقة ومحلل سياسات الشراكة بين القطاعين العام والخاص في المعهد اللبناني لدراسات السوق غسان بيضون، الذي يربط القدرة وكيفية دفع الإدارات والوزارات والمؤسسات العامة قيمة فواتير الكهرباء المتأخّرة، بـِ "الاعتمادات السنوية المرصودة في الموازنات السنوية لكل إدارة أو مؤسسة، والمبنية أصولاً على قيمة فواتير السنة السابقة، ليتم على أساسها تقدير الاعتماد الذي سيُرصَد لتغطية فواتير السنة التالية. وبتأخير مؤسسة كهرباء لبنان إصدار فواتيرها لسنوات، لا تتمكّن إدارات الدولة من تقدير الاعتمادات التي سترصد للكهرباء، ولذلك حصلت الفوضى الحالية". وبسبب التأخير في الفوترة والجباية، ورفع تعرفة الكهرباء في العام 2022، بات على كهرباء لبنان "التمييز بين فواتير ما قبل العام 2022 وفواتير ما بعده. ولا يمكن لمؤسسة الكهرباء بعد رفع تعرفتها، مطالبة إدارات الدولة دفعة واحدة بسداد قيمة الفواتير في إنذار عام وبالجُملة"، وفق ما يقوله بيضون لـِ "المدن".

ومن الناحية القانونية، لا يمكن استرداد قيمة الفواتير بقرار يُتّخذ بهذا الشكل وبمهلة عشوائية لا أساس قانونياً لها. فالإدارات والمؤسسات العامة مقيّدة بموازنات سنوية وآليات دفع قانونية. ولذلك، فإنّ "دفع ملايين الدولارات هو أمر مستحيل بالنسبة لإدارات الدولة، لأنّ ذلك يستنزف احتياطي الموازنة، ونحن أصبحنا في الشهر الثامن من العام الجاري". والانتظام القانوني لطريقة الدفع في إدارات الدولة، يجعل الأيام الخمسة "مهلة بلا قيمة".


قانونياً أيضاً، كما لمؤسسة الكهرباء حسابات في ذمّة الدولة، للدولة حسابات في ذمّة المؤسسة، وأهمّها سلفات الخزينة التي راعَت كثيراً عدم سداد المؤسسة قيمة السلفات التي أرهقت الخزينة لأعوام، بفعل تغطية الدولة عدم قدرة المؤسسة على شراء الفيول وفشلها في انتظام إصدار الفواتير وتحصيل الجباية ومنع الهدر والتعديات على الشبكة. وهو ما يعني أنَّ المؤسسة أخذت أموالاً من الدولة ولم تسدّدها، رغم هدرها للمال العام. ومع ذلك، لم تطالب الدولة المؤسسة بسداد متوجباتها خلال أيام. وأمام هذا الواقع على مؤسسة كهرباء لبنان، وفق بيضون، "فتح حساباتها أيضاً لترى الدولة أين ذهبت أموالها، ولتبيِّن على أي أساس يتم تحديد تعرفة الكهرباء، وكيف تتم المطالبة برفعها بحجة ارتفاع أسعار النفط عالمياً ولا يتم خفضها مع انخفاض الأسعار، وليتحدّد سبب استيفاء المؤسسة رسماً ثابتاً في الفاتورة يفترض أنّه وُضِعَ على أساس ساعات تغذية لا تقل عن 10 ساعات، فيما الواقع مختلف".

خلقت مؤسسة كهرباء لبنان فوضى الفوترة والتحصيل تحت مظلّة الفساد في قطاع الكهرباء، الذي شرّعته سياسات تذرّعت بتصحيح الخلل وإعادة الانتظام إلى القطاع. وهذه الفوضى، رتّبت على إدارات الدولة ومؤسساتها أعباءً إضافية. أمّا الحل، فيكمن في اعتماد نظام محاسبي لتحديد مَن يريد من الآخر، مؤسسة الكهرباء أم الدولة.

خضر حسان - المدن

أقرأ أيضاَ

تدهور في تنافسية السلع اللبنانية

أقرأ أيضاَ

"دولة المقاولين": ملايين للمتعهّدين ولا أموال للجامعة