هل يصمد اقتصاد إيران أمام حرب ترمب الاقتصادية؟

هل يصمد اقتصاد إيران أمام حرب ترمب الاقتصادية؟ -- Aug 24 , 2026 7

لم تعد إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترمب تراهن على القوة العسكرية وحدها لدفع إيران إلى الاستسلام. فبعد قرابة ستة أشهر من الحرب، تستعد واشنطن لنقل جانب أكبر من المواجهة إلى الاقتصاد، عبر استهداف قدرة طهران على تمويل الحرب والاستيراد والحفاظ على الاستقرار الداخلي.

ترمب أعلن ما وصفه بأنه "أقسى عملية اقتصادية تُتخذ على الإطلاق ضد أي دولة"، مهدداً الدول التي تواصل دعم إيران بعواقب اقتصادية. وقال وزير الخزانة سكوت بيسنت إن الولايات المتحدة ستكشف، اليوم الإثنين، تفاصيل خطة لعزل إيران وشركائها التجاريين، متوقعاً "أكبر عزل اقتصادي منسق في التاريخ".

التصعيد انعكس سريعاً على الأسواق، إذ ارتفع خام برنت لليوم الخامس على التوالي إلى أعلى مستوى في نحو أربعة أسابيع، وسط مخاوف من اضطرابات جديدة في إمدادات الطاقة والتجارة عبر الخليج.

لكن نجاح الاستراتيجية الأميركية يتوقف على سؤال جوهري: إلى متى يستطيع الاقتصاد الإيراني الصمود؟

الإجابة الأقرب هي أنه يستطيع الاستمرار، لكن بكلفة تتزايد سريعاً.

اقتصاد اعتاد العقوبات.. لا الحرب
منذ الثورة في 1979، بنت إيران منظومة واسعة للتكيف مع العقوبات، تشمل الوسطاء وشركات الصرافة والتجارة الحدودية والمقايضة والتسويات بعملات غير الدولار، إضافة إلى "أسطول الظل" لنقل النفط.

كما تتمتع بسوق محلية كبيرة وقاعدة صناعية وزراعية واحتياطيات ضخمة من النفط والغاز وحدود برية واسعة، فيما حافظت على سوق لنفطها، وفي مقدمتها الصين، رغم العقوبات الغربية.

 

لكن الحرب التي بدأت في فبراير غيّرت المعادلة. فالضغوط لم تعد مالية فقط، بل أصبحت مادية أيضاً مع تضرر البنية التحتية والحصار البحري واضطراب التجارة. وهكذا تواجه طهران العقوبات والحرب والتضخم وضعف العملة وتعطل سلاسل الإمداد في وقت واحد.

ورغم قدرة الاقتصاد على الاحتمال خلال الأشهر الأولى، فإن استمرار النشاط لا يعني أن هذه المعادلة قابلة للاستدامة بلا حدود.

من أين تستمد إيران قدرتها على الصمود؟
يمثل النفط والغاز خط الدفاع الأول. فإيران تملك احتياطيات هائلة من الهيدروكربونات، وتستطيع الحصول على العملة الصعبة ما دام هناك مشترون مستعدون لتحمل مخاطر العقوبات والحرب، وفي مقدمتهم الصين.

ولهذا تركز خيارات واشنطن على مشتري النفط وشركات الصرافة والأصول الإيرانية في الخارج وناقلات "أسطول الظل".

الجغرافيا تمنح طهران بدورها هامشاً للمناورة. فحدودها مع العراق وتركيا وباكستان وأفغانستان وتركمانستان وأرمينيا وأذربيجان، إلى جانب منافذها البحرية، تجعل عزلها بالكامل مهمة شديدة الصعوبة. وإذا أُغلق مسار تجاري، يمكن تحويل جزء من التدفقات إلى مسارات أخرى، وإن بكلفة أعلى.

كما أن عقود العقوبات منحت إيران خبرة واسعة في استخدام الوسطاء وشركات الواجهة والمقايضة والتسويات باليوان والعملات الأخرى. وهي منظومة أقل كفاءة من التجارة الطبيعية، لكنها تقلص خطر الاختناق الكامل.

وتملك الدولة أداة إضافية تتمثل في قدرتها على توزيع الخسائر عبر دعم بعض السلع والوقود، وتقييد الاستيراد والتحكم في العملات الأجنبية. وهنا تكمن المفارقة: قدرة الدولة على الصمود قد تكون أطول من قدرة المواطنين على تحمل كلفته.

العملة والتضخم.. مكمن الخطر
أبرز نقاط الضعف الإيرانية هي العملة الصعبة. فرغم قدرة البلاد على إنتاج جزء كبير من احتياجاتها، فإنها تعتمد على الاستيراد للحصول على الآلات وقطع الغيار والمواد الخام والأدوية والغذاء والتكنولوجيا.

لذلك، فإن خفض عائدات النفط لا يضغط على موازنة الحكومة فحسب، بل يحد أيضاً من قدرة الاقتصاد بأكمله على الاستيراد. وإذا نجحت واشنطن في إجبار الشركاء التجاريين على الاختيار بين السوق الأميركية وإيران، فسيصبح تحويل إيرادات النفط إلى السلع التي تحتاج إليها البلاد أكثر صعوبة.

وتظهر حدة الضغوط في التضخم الذي بلغ نحو 66% في يوليو، فيما قفزت أسعار الغذاء بنحو 128% على أساس سنوي. ويعني ذلك تآكلاً سريعاً للأجور والمدخرات والقوة الشرائية.

كما يفاقم تراجع الريال المشكلة، إذ يرفع أسعار الواردات ومدخلات الإنتاج، ما يغذي التضخم مجدداً ويضغط على الشركات والمستهلكين.

الإيرانيون يشترون البقالة بالتقسيط مع تفاقم تداعيات الحرب.. التفاصيل هنا

الحرب أضافت عبئاً آخر عبر الأضرار التي لحقت بالبنية التحتية وشبكات التجارة، في وقت تعاني الشركات أصلاً صعوبة الحصول على التكنولوجيا وقطع الغيار والاستثمار الأجنبي.

والخطر الأكبر بالنسبة إلى النظام قد يكون الشارع. فمع ارتفاع الأسعار وتراجع الدخل الحقيقي ونقص بعض السلع، تصبح قدرة الأسر على تحمل الأزمة عاملاً لا يقل أهمية عن أرقام الناتج المحلي أو صادرات النفط.

الغذاء والدواء تحت الضغط
لا تعني الأزمة أن الأسواق الإيرانية خلت من السلع، لكنها جعلت الحصول على المنتجات الأساسية أكثر صعوبة وكلفة.

يغير الصراع عادات الإنفاق لدى الإيرانيين، بعدما تلاشت قدرتهم الشرائية تحت وطأة تضخم قياسي وعملة فقدت نحو 30% من قيمتها هذا العام، وفق تقرير "بلومبرغ". كما تظل الأدوية والمستلزمات الطبية من أكثر القطاعات حساسية، إذ يمكن للقيود المصرفية ومشكلات الشحن والتأمين ونقص العملة الأجنبية أن تعرقل استيرادها حتى عندما تكون مستثناة من العقوبات.

وينطبق الأمر نفسه على الآلات وقطع الغيار والمكونات الإلكترونية ومدخلات المصانع، حيث قد يبدأ النقص بتعطل آلة أو تراجع الإنتاج قبل أن يظهر في صورة ارتفاع للأسعار أو نقص للسلع النهائية.

خسارة بوابة الإمارات
يزيد وقف الإمارات التجارة مع إيران من الضغوط، نظراً إلى دورها التاريخي مركزاً لإعادة التصدير والتجارة والتمويل.

أهمية دبي لإيران لم تكن مرتبطة بالسلع الإماراتية وحدها، بل بدورها بوابةً لوصول منتجات من الصين والهند وأوروبا وأسواق أخرى.

ويمكن لطهران تحويل جانب من هذه التجارة إلى تركيا والعراق وعُمان والطرق الشمالية، لكن كل وسيط إضافي ومسار أطول يعنيان تكاليف أعلى للشحن والتأمين والتمويل، فيما يؤدي انسحاب البنوك خشية العقوبات إلى تضييق خيارات الدفع.

وهذا تحديداً ما تراهن واشنطن على تعميقه.

الاقتصاد ساعة الحرب السياسية
مع تصاعد الكلفة، يتعمق الخلاف داخل طهران بشأن استراتيجية الخروج من الحرب. فالرئيس مسعود بزشكيان والتيار الداعم للمفاوضات يواجهان سؤالاً أساسياً حول قدرة البلاد على تحمل مواجهة طويلة في ظل التضخم والعزلة وتضرر البنية التحتية.

في المقابل، ترى الأجنحة الأكثر تشدداً أن التخلي عن أوراق الضغط، ولا سيما القدرة على تهديد الملاحة في مضيق هرمز، قد يمنح واشنطن ما لم تستطع الحصول عليه عسكرياً.

ويبقى جوهر الخلاف والسؤال: هل تحتاج إيران إلى اتفاق يخفف العقوبات ويعيد فتح التجارة، أم أن مواصلة الضغط عبر هرمز يمكن أن ترفع كلفة المواجهة على الولايات المتحدة والاقتصاد العالمي بما يكفي لتحسين شروط طهران؟

المصدر:
الشرق بلومبرغ

أقرأ أيضاَ

مصر تدرس إطلاق مبادرة لإحلال السيارات التقليدية بأخرى كهربائية

أقرأ أيضاَ

حركة "هرمز": عبور أقل من 20 سفينة شحن مطلع الأسبوع