لبنان يبتعد عن ثقافة "الكاش": ارتفاع استخدام البطاقات 130% والشيكات 124% -- Sep 10 , 2026 12
يتغير سلوك الدفع في لبنان بوتيرة لافتة، بعدما بدأت الأرقام ترصد انتقالا تدريجيا من اقتصاد اعتاد "الكاش" إلى استخدام أوسع للأدوات المصرفية والإلكترونية. وخلال الأشهر الثمانية الأولى من عام 2026، ارتفع عدد عمليات الدفع بالبطاقات بنسبة 130%، فيما زادت قيمتها بنحو 50%، وقفز عدد الشيكات بالدولار "الفريش" بنسبة 124%، وارتفعت قيمة التحويلات المصرفية بالدولار 117%.
والأكثر دلالة أن قيمة الشيكات بالدولار تخطت مليار دولار، مقارنة بـ540 مليونا في الفترة عينها من العام الماضي.
يضع نائب حاكم مصرف لبنان الدكتور مكرم بو نصار هذه الأرقام في سياق سلسلة من الإجراءات التي اتخذها المصرف المركزي خلال الأشهر الأخيرة لتطوير القطاع المالي، وتعزيز استخدام وسائل الدفع الإلكتروني والحد من الاعتماد على النقد، ضمن رؤية حاكم مصرف لبنان كريم سعيد والمجلس المركزي بالتعاون مع هيئة التحقيق الخاصة. وتزامت هذه الإجراءات، بحسب بو نصار، مع تشديد متطلبات الحوكمة والامتثال ورفع مستويات رأس المال لدى المؤسسات المالية وشركات تحويل الأموال والصرافين ومقدمي خدمات المحافظ الإلكترونية، بما يعزز متانة هذه المؤسسات وسلامة عملياتها.
ولا ينظر بو نصار إلى الدفع غير النقدي بوصفه تحولا تقنيا فحسب، بل يربطه بإطار أوسع من الرقابة والامتثال وفق المعايير والممارسات الدولية، بما يزيد الشفافية ويحد من المخاطر المالية ويدعم الثقة بالنظام المالي. ويرى أن تكامل هذه الإجراءات يعزز التزام لبنان المعايير الدولية في مكافحة تبييض الأموال وتمويل الإرهاب، ويدعم الجهود الرامية إلى خروج لبنان من اللائحة الرمادية.
%130 زيادة في عمليات البطاقات
أبرز مؤشرات التحول تظهر في بطاقات الدفع. فخلال الأشهر الثمانية الأولى من 2026، ارتفع عدد العمليات بنسبة 130% مقارنة بالفترة نفسها من 2025، بينما زادت القيمة الإجمالية للعمليات بنحو 50%.
ويرى بو نصار أن هذه القفزة تعكس بدء استعادة استخدام البطاقات في السوق المحلية، ولا سيما تلك الصادرة عن المصارف والمؤسسات المالية اللبنانية. لكنه يلفت إلى أن معدلات النمو كان يمكن أن تكون أعلى لولا تأثير الحرب والعدوان على الإنفاق، خصوصا على استخدام البطاقات الدولية داخل لبنان.
ولا تبدو الزيادة محصورة في البطاقات. فبيانات المقاصة التي يعرضها بو نصار تظهر ارتفاع عدد الشيكات بالليرة اللبنانية "الفريش" من 13 ألف شيك إلى 33 ألفا، أي بنسبة 142%، فيما ارتفعت قيمتها من 23 ألف مليار ليرة إلى 48 ألف مليارا، بزيادة 105%.
أما الشيكات بالدولار "الفريش"، فارتفع عددها من 40 ألفا إلى 89 ألفا، أي بنسبة 124%، فيما تخطت قيمتها مليار دولار، مقابل 540 مليون دولار في الأشهر الثمانية الأولى من 2025، بزيادة 108%.
وتؤكد التحويلات المصرفية الاتجاه نفسه، إذ بلغ عدد التحويلات المحلية "الفريش" نحو 135 ألف عملية، مقابل 86 ألفا في الفترة عينها من العام السابق، بزيادة 60%. أما قيمة التحويلات المالية المحلية المنفذة عبر أنظمة الدفع لدى مصرف لبنان بالدولار "الفريش"، فارتفعت بنسبة 138% وفق البيانات التفصيلية التي يعرضها المصرف المركزي.
وتعني هذه المؤشرات، وفق قراءة بو نصار، أن "التغيير لا يتركز في أداة واحدة، بل يمتد إلى أكثر من قناة مالية، من البطاقة إلى الشيك والتحويل المصرفي، بما يشير إلى توسع الاعتماد على وسائل الدفع والتحويل غير النقدية".
من محطات المحروقات إلى الصيدليات
يبدو التحول أكثر وضوحا عندما ينتقل من الأرقام المصرفية إلى تفاصيل الحياة اليومية. فبحسب المدير العام لوزارة الاقتصاد والتجارة محمد أبو حيدر، في لبنان نحو 3200 محطة بنزين، أصبح لدى نحو 1100 منها أجهزة نقاط بيع (POS). ويضم قطاع الصيدليات نحو 3600 صيدلية، تتوافر أجهزة نقاط البيع في ما لا يقل عن 1200 منها، فيما تُستخدم هذه الأجهزة في 180 سوبرماركت تابعة لـ75 شركة.
لكن المؤشر الأهم ليس عدد الأجهزة، بل نسبة استخدامها. فقد ارتفعت حصة الدفع الإلكتروني في محطات الوقود من 8% إلى 12%، بينما قفزت في الصيدليات من 16% إلى 33%. وتكشف هذه النسب أن الدفع الإلكتروني بدأ يتحول من مجرد خيار متاح إلى سلوك فعلي في قطاعات يتعامل معها المواطن يوميا.
ويشكل خفض كلفة الدفع إحدى الأدوات الأساسية لدعم هذا التحول، إذ يشير بو نصار إلى أن مصرف لبنان وضع سقفا للعمولة هو 1.25% عند استخدام بطاقات الدفع في محطات المحروقات والسوبرماركت والمستشفيات والصيدليات والأفران، على ألا يتحمل حامل البطاقة أيّ عمولة. وبمعنى عملي، فإن التاجر الذي يقبض 100 دولار بواسطة البطاقة يحصل على 98.75 دولارا.
أما تسديد الضرائب والرسوم لدى وزارة المال، فقد حددت عمولته بـ0.9%. ويوضح المدير العام لوزارة المال جورج معراوي أن شركتي Visa وMastercard خفضتا بدورهما العمولات المتعلقة بالدفع لدى الوزارة إلى 0.9%، بعدما كانت تراوح بين 2% و2.5%.
الدولة توسع شبكة الدفع الإلكتروني
التحول ليس محصورا في القطاع الخاص. فقد بدأت وزارة المال توسيع شبكة قبول الدفع الإلكتروني، إذ تقضي الخطة بتركيب 52 جهاز POS في مختلف دوائر الوزارة، تم تركيب 38 منها حتى الآن في المحافظات.
ويشير معراوي إلى أن استكمال الانتشار تأخر في بعض المناطق، ولا سيما الجنوب والنبطية وبعلبك-الهرمل، بسبب الظروف الأمنية. كذلك توسع استخدام أجهزة الدفع إلى وزارة العدل لتسهيل عمليات الدفع أمام المحامين، إضافة إلى جهازين في وزارة العمل، فيما يجري التحضير لتركيب أجهزة في وزارة الاقتصاد والتجارة والمديرية العامة للشؤون العقارية.
ويرتبط هذا المسار أيضا بالتعميمين 158 و166، إذ أصبح مبلغا الـ100و200 دولار متاحين عبر البطاقة، بما يشكل حافزا إضافيا لاستخدامها. وفي المقابل، يلفت بو نصار إلى ضرورة معالجة مسألة فرض بعض التجار رسوما إضافية على المستهلك عند الدفع بالبطاقة، معتبرا أن هذا الامر غير قانوني، وستلاحق وزارة الاقتصاد ولجنة الرقابة على المصارف المخالفين وتفرضان الغرامات والإجراءات القانونية اللازمة.
المحافظ الإلكترونية توسع البدائل
لا يحصر مصرف لبنان مسار الدفع غير النقدي بالبطاقات المصرفية التقليدية. فقد شملت الإجراءات الرقابية مقدمي خدمات الدفع وشركات تحويل الأموال والمحافظ الإلكترونية، مع رفع متطلبات رأس المال وتعزيز قواعد الامتثال.
ويوضح بو نصار أن المؤسسات العاملة في هذا المجال ملزمة الاحتفاظ بنحو 45% من الأموال الموجودة في المحافظ الإلكترونية في حساب لدى مصرف لبنان، فيما تصل حدود العمليات إلى 3000 دولار. ولا يُسمح لهذه الشركات بإصدار البطاقات مباشرة، إذ يتعين أن تصدر من خلال مصرف، ولا يحق لها تقديم القروض مباشرة أو مداورة. وتخضع هذه المؤسسات لرقابة لجنة الرقابة على المصارف وإجراءات مكافحة غسل الأموال والامتثال.
أما بالنسبة إلى الخدمات الحكومية، فالدفع الإلكتروني لا يزال اختياريا، إذ يستطيع المواطن الدفع نقدا في الصندوق أو استخدام البطاقة، فيما توفر البوابة الإلكترونية إمكان إنجاز المعاملة عن بعد وعلى مدار الساعة.
نمو يتجاوز البطاقات
من زاوية شركات الدفع العالمية، تبدو مؤشرات النمو أكثر اتساعا. وتشير المديرة الإقليمية لشركة Mastercard في لبنان والعراق سينتيا الخوري إلى استمرار التعاون مع القطاعين العام والخاص لدعم التحول الرقمي وتوفير حلول دفع آمنة وسلسة، مع التركيز على الشمول المالي ودعم المشاريع الصغيرة وتطوير البنية التحتية لمنظومة المدفوعات الرقمية.
أما المدير الإقليمي لشركة Visa ماريو مكرزل، فيشير إلى أن بيانات الشركة تظهر ارتفاع العمليات المحلية بالبطاقات بنحو 160% من حيث العدد، فيما نما حجم التعاملات الإلكترونية 60% منذ بداية العام، وارتفعت التجارة الإلكترونية بنسبة 70%. كذلك يتحدث عن برنامج يمنح عمولات تفضيلية للتجار الذين تقل تعاملاتهم السنوية عن 25 ألف دولار، ومبادرات مقبلة تتجاوز قيمتها 400 ألف دولار لدعم نشر نقاط البيع وتحفيز استخدام البطاقات.
سلوى بعلبكي- النهار