كيف يهدد اضطراب سوق السندات الفرنسية مصادر النقد الأجنبي للمغرب؟

كيف يهدد اضطراب سوق السندات الفرنسية مصادر النقد الأجنبي للمغرب؟ -- Oct 30 , 2026 1

تضع التوترات المتصاعدة في سوق السندات الفرنسية اقتصاد المغرب أمام اختبار جديد لمدى قدرته على امتصاص الصدمات الخارجية، في ظل ارتباطه الوثيق بالاقتصاد الأوروبي، فامتداد الضغوط في أسواق الدين في منطقة اليورو قد يُؤثر على مصادر مهمة للنقد الأجنبي للمملكة، من الصادرات والسياحة إلى تحويلات المغتربين والاستثمارات.

بالنسبة إلى المغرب، لا تتعلق المسألة بالانكشاف المباشر على الدين الفرنسي، بل باحتمال انتقال التوترات إلى أسواق الدين في منطقة اليورو، بما قد يضغط على النشاط الاقتصادي الأوروبي ويرفع كلفة التمويل الخارجي للمملكة، بحسب تقرير لـ"بي إم سي إي كابيتال غلوبال ريسيرش"، وهو مركز أبحاث تابع لـ"بنك أفريقيا"، ثالث أكبر المصارف في المملكة من حيث الأصول. 

ويُشير التقرير إلى أن دول منطقة اليورو تستوعب أكثر من 60% من الصادرات المغربية، كما تُمثل مصدراً رئيسياً للاستثمارات الأجنبية المباشرة والعائدات السياحية وتحويلات المغتربين خصوصاً أن فرنسا أكبر بلد يتواجدون فيه.

ارتفاع الدين الحكومي الفرنسي
تأتي هذه المخاطر في وقت تتزايد فيه الضغوط على المالية العامة الفرنسية، بعدما ارتفع الدين العام إلى 119% من الناتج المحلي الإجمالي بنهاية يونيو 2026، مُقابل 117.5% في الربع السابق، مع زيادة بنحو 60 مليار يورو خلال ثلاثة أشهر فقط.

ورغم أن مشروع ميزانية 2027 يستهدف خفض عجز الموازنة من 5.4% من الناتج المحلي في 2026 إلى 5% العام المقبل، فإن التقرير يتوقع استمرار ارتفاع المديونية إلى 121.7% من الناتج العام المقبل، في ظل ارتفاع كلفة الاقتراض وعدم كفاية إجراءات الضبط المالي لوقف مسار الدين.

انعكست المخاوف المالية والسياسية على سوق السندات الفرنسية خلال الربع الثالث من 2026، إذ ارتفع عائد السندات الحكومية لأجل عشر سنوات بمقدار 113 نقطة أساس، منها 61 نقطة في سبتمبر، ليصل إلى 4.862% بنهاية الربع.

لا تأثير مباشر على المغرب
يرى فرانسوا كونرادي، كبير الاقتصاديين السياسيين في "أوكسفورد إيكونوميكس أفريقيا" (Oxford Economics Africa)، أن تراجع أسعار السندات الفرنسية لا يُؤثر مباشرةً على الاقتصاد المغربي، مشيراً إلى أن حيازات البنوك المغربية من هذه السندات، إن وجدت، "تبقى صغيرة إلى درجة تجعل المخاطر على النظام المالي ضئيلة".

لكنه حذّر في تصريح لـ"الشرق بلومبرغ" من أن "العوامل المالية التي تدفع مُستثمري الدخل الثابت إلى بيع السندات الفرنسية يمكن أن يكون لها تأثير"، وذكر أن التزامات الدولة الفرنسية تفوق إيراداتها بكثير، ما يفرض على الحكومة البحث عن مجالات لخفض الإنفاق.

بدأت التوترات تنعكس أيضاً على العُملة الأوروبية، إذ تراجع اليورو أمام الدولار بنسبة 2.5% في سبتمبر، في أكبر انخفاض شهري منذ يوليو 2025، بفعل قوة الدولار وارتفاع علاوة المخاطر الأوروبية.

ويرى تقرير "بي إم سي إي كابيتال غلوبال ريسيرش" أن انتقال الضغوط إلى دول أخرى في منطقة اليورو لا يزال محدوداً ومتفاوتاً، فقد اتّسعت فروق العوائد في إيطاليا واليونان وبلجيكا، بينما ظلّت إسبانيا والبرتغال أقل تأثراً نسبياً.

مسارات محتملة لانتقال الأثر إلى المغرب
بالنسبة إلى المغرب، يتمثل مصدر القلق الرئيسي في اعتماد مصادر مهمة من النقد الأجنبي على أداء الاقتصاد الأوروبي. وأبرز مسار لانتقال الضغوط يظهر في احتمال ارتفاع كلفة الواردات، خصوصاً الطاقة والمواد الأولية، بفعل ضعف اليورو أمام الدولار بحسب مركز الأبحاث المغربي. ويكتسب هذا المسار أهمية لأن الدرهم مرتبط بسلة عملات تتكون من 60% من اليورو و40% من الدولار.

يطرح التقرير سيناريو تراجع الطلب الأوروبي على الصادرات المغربية، خاصة في قطاعات السيارات والطيران والنسيج، إذا تباطأ النشاط الاقتصادي في منطقة اليورو. وقد تمتد التداعيات إلى عائدات السياحة وتحويلات المغتربين، مع تراجع القدرة الشرائية في فرنسا وأوروبا، فضلاً عن احتمال تأجيل استثمارات أجنبية وارتفاع كلفة التمويل الخارجي للمغرب إذا اتّسعت المخاطر في أسواق الدين الأوروبية.

حتى الآن، يمتلك المغرب احتياطياً من العملة الأجنبية يناهز 500 مليار درهم (أكثر من 50 مليار دولار)، وهو عند أعلى مستوياته، بزيادة سنوية تُقارب 20%. غير أن هذه الاحتياطات سجّلت انخفاضاً طفيفاً بنحو 1% على أساس أسبوعي في الأسبوع المنتهي في 16 أكتوبر، وهو أول تراجع منذ يوليو، بحسب بيانات بنك المغرب المركزي.

يُشير كونرادي إلى أن إجراءات ضبط المالية العامة الفرنسية قد تنعكس على إنفاق الأسر، بما يشمل المغاربة المستفيدين من التحويلات أو السياحة الوافدة من فرنسا. وقال إن مشروع ميزانية 2027 يتضمن تجميد أجور القطاع الحكومي، والتدقيق في نفقات أخرى، وفرض ضريبة خاصة على الشركات الكبرى، مضيفاً أن هذه الإجراءات "تعني أموالاً أقل للمواطنين والمقيمين في فرنسا، وكثير منهم يحولون أموالاً إلى المغرب أو ينفقون خلال عطلاتهم في المملكة".

ويعني تزامن هذه القنوات أن التأثير المحتمل لا يقتصر على قطاع بعينه، فتراجع الصادرات أو السياحة والتحويلات، بالتوازي مع ارتفاع كلفة التمويل والواردات، قد يضغط على موارد المملكة من العملات الأجنبية من أكثر من جهة.

كان آخر خروج للمغرب إلى السوق الدولية للاستدانة في مايو الماضي، حيث جمعت المملكة 2.25 مليار يورو واستقطب الإصدار طلباً بلغ 5.2 مليار يورو، ما يمثل معدل تغطية بنحو 2.5 مرة، وتم تحديد هوامش التسعير النهائية عند 170 نقطة أساس فوق عوائد سندات الخزانة الأميركية للشريحة ذات أجل 8 سنوات، و200 نقطة أساس فوق عوائد سندات الخزانة الأميركية للشريحة الثانية.

أثر محتمل لكنه محدود
مع ذلك، لا يتوقع كونرادي أن يكون الأثر الإجمالي ملحوظاً بالضرورة، أو أن يكون من السهل فصله عن تأثير عوامل أخرى على ثقة المستهلك الفرنسي وإنفاقه.

وأشار إلى أن "الأثر الإجمالي على الأرجح لن يكون ملحوظاً، وسيكون من المستحيل عزله عن تأثير الارتفاع الطفيف في التضخم على ثقة المستهلكين"، متوقعاً وصول التضخم في فرنسا إلى 2.4% في 2027، مقابل 2.2% في 2026. وأضاف أن "المزاج العام المتشائم في البلاد قد يزداد سوءاً مع الانتخابات الرئاسية المُقرّرة في أبريل ومايو 2027".

تكشف هذه القراءة أن تداعيات الضغوط المالية الفرنسية على المغرب قد تمر عبر سلوك الأسر والشركات، قبل أن تنعكس على السياحة والتحويلات والاستثمار، فيما يظل" حجم الأثر مرتبطاً بتطور الاقتصاد الفرنسي والأوروبي خلال الفترة المقبلة.

يخلص تقرير "بي إم سي كابيتال غلوبال ريسيرش" إلى أن السيناريو الأساسي يتمثل في بقاء علاوة المخاطر الفرنسية أعلى من مستوياتها التاريخية الحديثة، مع استمرار الضغوط على اليورو ما لم يظهر تحسن ملموس في المسار المالي أو وضوح أكبر في المشهد السياسي.

أما نقطة التحول الأهم فتتمثل في انتقال التوتر إلى نطاق أوسع من أسواق الديون السيادية في منطقة اليورو. وبالنسبة إلى المغرب، لا تكمن المسألة في التعرّض المباشر للدين الفرنسي، بل في مدى قدرة الضغوط على إحداث صدمة ثقة أوروبية تؤثر في التجارة والسياحة والتحويلات والاستثمار والتمويل الخارجي في الوقت نفسه.

المصدر:
الشرق بلومبرغ

أقرأ أيضاَ

أرباح النفط تدعم خطط الصين لأمن الطاقة.. و6 مليارات دولار سنوياً للاستكشاف

أقرأ أيضاَ

رفوف فارغة وأزمة بنزين... إضراب شلّ إيطاليا وتدخّل حكوميّ بـ540 مليون يورو