سنغافورة ازدهرت بفضل الممرات التجارية الحيوية.. والآن باتت تهددها -- Nov 02 , 2026 11
إذا وقفت في يوم صافٍ على قمة فندق "مارينا باي ساندز" في سنغافورة، فسترى في لمحة واحدة مقومات ازدهار الدولة المدينة ومكامن المخاطر التي تهددها.
في المقدمة، ترسو مجموعة من السفن، في مشهد يجسد كيف أصبحت سنغافورة ثرية بفضل تقديم الخدمات لحركة التجارة العالمية الهائلة التي تمر عبر مضيقها الضيق، الذي يمثل ممراً بحرياً استراتيجياً للتجارة العالمية.
وعند الأفق، يمكنك بالكاد تمييز ساحل إندونيسيا، الدولة التي يزيد عدد سكانها على سكان سنغافورة بنحو 50 ضعفاً، وتبلغ مساحتها 2,500 ضعف مساحة سنغافورة. ويذكّر هذا القرب الجغرافي بمدى اعتماد ازدهار سنغافورة على علاقاتها الجيدة مع جيرانها الأكبر حجماً بكثير. وتتصدر هذه المسائل الاهتمامات في الوقت الراهن.
حرائق إندونيسيا تهدد سنغافورة
منذ أسابيع، يحجب الضباب الدخاني الكثيف المشهد، بعدما انتقل من حرائق الغابات في جزيرتي بورنيو وسومطرة الإندونيسيتين، عابراً المسطح المائي إلى سنغافورة.
أقرت سنغافورة قوانين قبل عقد لمكافحة هذه الكارثة المتكررة التي تهدد الصحة العامة، كما كتبنا سابقاً، لكنها واجهت صعوبات في تطبيقها بسبب تعنت جارتها.
بعد أيام قليلة من إعلان سنغافورة اتخاذ إجراءات بحق 10 شركات إندونيسية على خلفية الحرائق التي اندلعت هذا الشهر، بدأت جاكرتا خفض إمدادات الغاز الطبيعي إلى سنغافورة عبر خطوط الأنابيب.
تحول سنغافورة إلى الغاز الطبيعي المسال
قد يكون لهذا القرار تفسير عادي لا يحمل أي دلالات سلبية، فقد اتجهت سنغافورة بقوة خلال السنوات الماضية إلى الاعتماد على الغاز الطبيعي المسال، بدلاً من الغاز المنقول عبر الأنابيب من ماليزيا وإندونيسيا، تحسباً لزيادة استهلاك البلدين من مواردهما المحلية مع نمو اقتصاديهما.
اكتمل قبل أسابيع قليلة خط أنابيب رئيسي يتيح لإندونيسيا توجيه الغاز إلى السوق المحلية، فيما تقل الصادرات المتأثرة عن 2% من إجمالي الطلب اليومي.
لكن التصريحات الأخيرة لوزير توزيع الطاقة الإندونيسي لا تبعث على الطمأنينة، فقد حذّر الوزير الدول المجاورة من أن إزعاج بلاده قد يدفعها إلى قطع صادراتها إليهم، داعياً إياها إلى توخي الحذر. وتؤكد هذه الواقعة مجدداً أن ازدهار سنغافورة لا يخلو من مواطن ضعف.
كيف أصبحت سنغافورة مركزاً للتجارة العالمية؟
ازدهرت سنغافورة خلال أكثر من قرنين بوصفها ميناءً حراً، مع التراجع التدريجي للعوائق أمام التجارة عبر الممرات الحيوية في العالم.
أسس البريطانيون سنغافورة لتجاوز نفوذ الهولنديين في جزيرة جاوة، ثم أعادت أبرز مشروعات بناء الدولة في عقدي الستينيات والسبعينيات تطبيق هذا النموذج، عبر تحويل سنغافورة إلى مركز رئيسي في شبكات التجارة الناشئة، من تكرير النفط وشحن الحاويات إلى الطيران لمسافات طويلة.
لكن سنغافورة ظلت طوال هذه الفترة تدرك تماماً مدى نفوذ جيرانها الأكبر حجماً على الممرات الحيوية المحيطة بها. وأثار انفصالها السياسي عن ماليزيا عام 1965 مخاوف من قطع إمدادات المياه عنها، لكن تنفيذها برنامجاً مكلفاً لتحلية المياه وإعادة تدويرها وتجميعها وبناء الخزانات أتاح لها تحقيق الاكتفاء الذاتي من المياه تقريباً في أوقات الأزمات. مع ذلك، الأمر لا ينطبق على الطاقة. فحتى إمدادات الغاز الطبيعي المسال يمكن قطعها بسهولة عبر فرض حصار بحري.
تحديات الطاقة النووية والشمسية في سنغافورة
طرحت سنغافورة خيار الطاقة النووية مراراً على مدى سنوات، لكنه ينطوي على تحديات خاصة. تكاد سنغافورة بأكملها تقع داخل نطاق الإخلاء الإلزامي البالغ 20 كيلومتراً (12 ميلاً)، الذي حُدد عقب كارثة محطة فوكوشيما دايتشي النووية.
تستهدف الخطط الجارية تركيب ألواح شمسية بقدرة 4 غيغاواط بحلول عام 2035، ما قد يجعل الألواح المصنوعة من السيليكون والزجاج تغطي نحو 5% من مساحة سنغافورة، ومع ذلك لن توفر سوى بالكاد عُشر احتياجاتها من الكهرباء.
من شأن خطط منفصلة لتطوير مشروعات للطاقة المتجددة ومد خطوط لنقل الكهرباء تمتد إلى فيتنام ولاوس وكمبوديا وماليزيا وإندونيسيا، بل وحتى أستراليا، أن تسهم على الأقل في تنويع مصادر إمدادات الكهرباء. لكن يمكن، من الناحية النظرية، قطع هذه الإمدادات بمجرد الضغط على مفتاح أو زر.
يمكن النظر إلى الدور المحوري الذي تؤديه سنغافورة في إنشاء شبكة الكهرباء التي تتشكل حالياً في أنحاء رابطة دول جنوب شرق آسيا، باعتباره محاولة لتوزيع المخاطر عبر شبكة من علاقات الاعتماد المتبادل. وهذه هي الرؤية التي تبعث على التفاؤل.
في عالم تسوده التعددية والسلام والتجارة، تستطيع الدول البحرية الصغيرة ذات الأنظمة الجمهورية أن تحقق ثروات طائلة من خلال دورها المحوري في حركة التجارة العالمية ورؤوس الأموال.
سنغافورة والبندقية ومخاطر القوى الكبرى
اتبعت البندقية هذا النموذج لقرون، وكانت مصدر إلهام للجيل الذي أسس سنغافورة. لكن المثير للقلق هو ما حدث بعد ذلك. مع أفول النظام التجاري الأوروبي ودخول القارة عصر الثورات والجيوش الجرارة والقومية، لم تكن ثروة البندقية كافية لحمايتها من القوى الكبرى المحيطة بها، ففي عام 1797 قضى نابليون على جمهورية البندقية التي امتد عمرها ألف عام، ثم ظلت المدينة لعقود تنتقل بين السيطرة الفرنسية والنمساوية، قبل أن تصبح جزءاً من الدولة الإيطالية الحديثة عام 1866.وقد نكون بصدد الدخول في مرحلة مماثلة.
صراع الممرات التجارية يهدد سنغافورة
تتمثل القوة الصاعدة في العلاقات الدولية في نهج يقوم على تعظيم الاستفادة من الممرات الحيوية، عبر السعي إلى إحكام النفوذ على الرقائق الإلكترونية والمعادن الحيوية والملكية الفكرية والتدفقات التجارية، بهدف إخضاع المنافسين. ويُجسّد الصراع الدائر هذا العام بشأن مضيق هرمز هذه الظاهرة بوضوح.
ومع تصاعد الحواجز أمام التجارة والهجرة ورؤوس الأموال، تجد الموانئ الحرة، مثل سنغافورة، نفسها وحيدة في مواجهة هذه التحديات.
قال لي كوان يو مؤسس سنغافورة الحديثة، في مقابلة عام 2007، متأملاً:"لو لم يكن هناك نظام وقانون دوليان، وكان القوي يأكل الضعيف والضعيف يأكل الأضعف منه، لما كان لنا وجود". وأضاف:" ماذا لو فُرض علينا حصار أو خضعت الممرات البحرية للسيطرة؟ سنموت جوعاً".
يتعين على خلفاء لي أن يأملوا في أن يكون الصراع المحتدم اليوم بين القوى الكبرى عاصفة عابرة، لا تحولاً دائماً في المشهد العالمي.
المصدر:
بلومبرغ