اقتصاد إيران.. مقومات هائلة تحت ركام العقوبات -- Feb 19 , 2026 115
اختُتمت الجولة الجديدة من المفاوضات النووية بين إيران والولايات المتحدة في جنيف وسط مسار معقد لا يخلو من العقبات. وفي حين يترقب الإيرانيون رفع العقوبات عنهم التي طال أمدها وزادت حدتها منذ عودة الرئيس الأميركي دونالد ترمب إلى البيت الأبيض، أصبحت طهران -التي تختزن مقومات اقتصادية كبيرة غير مستغلة- مهددة بتآكل إمكاناتها بين ضغوط السياسة واضطرابات الأسواق.
هذا الموضوع يستهدف إلقاء الضوء على الإمكانات الكامنة للاقتصاد الإيراني، وهل يمكن أن يتغير الوضع بشكل جذري لو تم تخفيف أو إزالة العقوبات؟
كيف كان الاقتصاد قبل الثورة الإيرانية في 1979؟
قبل الثورة في إيران عام 1979، كان اقتصاد البلاد في ذروة صعوده. فمنذ منتصف القرن الماضي كانت طهران في عهد الشاه محمد رضا شاه بهلوي من أكبر الاقتصادات عالمياً وأسرعها نمواً. حيث كان حجم اقتصادها عام 1950، على سبيل المثال، يفوق اقتصادات آسيوية مثل كوريا الجنوبية وفيتنام، حيث لم يتجاوز اقتصاد كل منهما آنذاك 60% من حجم الاقتصاد الإيراني.
استمر هذا الزخم حتى بلغ ذروته قبيل الثورة. ففي عام 1977، آخر عام مستقر قبل الاضطرابات، صعدت إيران إلى المرتبة الثامنة عشرة عالمياً من حيث الناتج المحلي الإجمالي، مقارنة بالمرتبة التاسعة والعشرين عام 1960. وكان اقتصادها حينها أكبر من اقتصاد تركيا بنحو 26%، وأكبر من اقتصاد كوريا الجنوبية بنحو 65%، ويقارب خمسة أضعاف ونصف اقتصاد فيتنام، وفق بيانات البنك الدولي.
أما قطاع النفط، فشهد في منتصف السبعينيات عصره الذهبي، حين شكّل الإنتاج الإيراني نحو 10% من الإمدادات العالمية. وبلغ الإنتاج ذروته عند نحو 6 ملايين برميل يومياً عام 1974. وفي ذلك العام، كان إنتاج إيران يعادل نحو 70% من إنتاج السعودية، أكبر منتجي أوبك، وأكثر من ثلاثة أضعاف إنتاج العراق، وفق منظمة الدول المصدرة للنفط (أوبك)، ما رسخ مكانتها كقوة نفطية عالمية قبل الثورة.
كان الاقتصاد الإيراني يعاني بالفعل من بعض المشكلات الهيكلية قبل عام 1979، إلا أن طفرة النفط في سبعينيات القرن الماضي غطت على هذه الاختلالات، بحسب مهران كامرافا، أستاذ العلوم الحكومية في جامعة "جورجتاون – قطر"، ومدير وحدة الدراسات الإيرانية في المركز العربي للأبحاث ودراسات السياسات.
ماذا حدث خلال الخمسة عقود التالية؟
خلال الـ47 عاماً الماضية شهدت البنية الاقتصادية في إيران تحولاً جذرياً، فبينما اتسمت حقبة ما قبل عام 1979 بتطور صناعي سريع ونمو وصل إلى 13.2% سنوياً بين عامي 1964 و1978، أدت سلطة الثورة إلى تغيير النموذج الاقتصادي "ليتقوقع نحو الداخل"، بحسب دراسة أجراها معهد "بروكنغز" الدولي.
ومع قيام الجمهورية الإسلامية، تم تقسيم الاقتصاد إلى 3 قطاعات: دولة، وخاص، وثالث تعاوني بين الاثنين، مع هيمنة واضحة للدولة التي أممت المصارف والصناعات الكبرى وشركة النفط الوطنية الإيرانية. وغرق الاقتصاد في "البترو-شعبوية"، فيما تراجعت حصة الفرد من عائدات النفط من 5000 دولار في السبعينيات إلى عُشر هذه القيمة بحلول عام 2018.
اقرأ أيضاً: ماذا سيحدث لأسعار النفط إذا شنت أميركا ضربة على إيران؟
وعلى مر السنين، تحول الاقتصاد الإيراني إلى نموذج مكبل بالعقوبات والعزلة الدولية، كما أدت الحرب مع العراق (1980-1988) إلى خسائر اقتصادية قُدرت بنحو 500 مليار دولار، مما عمّق التبعية لقطاع النفط الذي بات يشكل نحو 80% من الدخل الحكومي في فترات معينة، بحسب الدراسة نفسها.
ويشير زياد داوود، كبير محللي الاقتصادات الناشئة في "بلومبرغ إيكونوميكس"، إلى أن الاعتماد المفرط على النفط جعل الاقتصاد الإيراني شديد الحساسية للصدمات الخارجية، سواء كانت عقوبات أو اضطرابات جيوسياسية، وأضعف قدرته على بناء قاعدة إنتاجية متنوعة قادرة على امتصاص التقلبات.
فيما يصف جواد حيران نيا، مدير مركز البحث العلمي والدراسات الاستراتيجية للشرق الأوسط في طهران، التحول الذي طرأ على الاقتصاد الإيراني بعد الثورة بأنه انتقال إلى اقتصاد "أُعيدت هندسته سياسياً قبل أن يُعاد بناؤه اقتصادياً".
كيف ومتى بدأت العقوبات على إيران؟
بدأت العقوبات الغربية على إيران مع التحول السياسي الجذري الذي شهدته البلاد عام 1979 عقب سقوط نظام الشاه. وبعد أزمة احتجاز الرهائن في السفارة الأميركية بطهران، جمدت واشنطن أصولاً إيرانية تجاوزت 12 مليار دولار وحظرت الواردات. وتوسعت العقوبات عام 1984 مع تصنيف إيران دولة راعية للإرهاب، ما فرض قيوداً دائمة شملت السلاح والتكنولوجيا والمساعدات.
تصاعد الضغط الأميركي في منتصف التسعينيات، حين أقر الكونغرس بين 1996 و1997 قانوناً يعاقب أي شركة أجنبية تستثمر أكثر من 20 مليون دولار سنوياً في قطاع النفط والغاز الإيراني.
الشرق -
إيمان أبو حصيرة
نورهان عباس