شام كاش.. رواتب السوريين موجودة لكن لا سحوبات: أين السيولة؟ -- Aug 20 , 2026 1
لم تعد المشكلة بالنسبة إلى مستخدمي "شام كاش" في وصول الراتب إلى المحفظة الإلكترونية، بل في القدرة على إخراجه منها. فموظفون يقولون إن أرصدتهم موجودة على التطبيق، لكنهم لا يستطيعون تحويلها إلى نقد، فيما يواجه آخرون سقوفاً منخفضة للسحب أو عمولات يقولون إنها تفوق النسب المعلنة.
وتأتي هذه الشكاوى في وقت يتسع فيه الاعتماد على "شام كاش" لدفع الرواتب والتحويلات، بينما تعاني السوق السورية شحاً في السيولة النقدية.
الراتب وصل.. لكن أين أسحبه؟
يقول كامل الحسين، موظف في القطاع العام، لـ"المدن"، إنه حاول سحب راتبه من أكثر من مكتب صرافة، لكنه لم يتمكن من الحصول على كامل المبلغ الموجود في حسابه.
ويضيف أن المشكلة لم تعد في وصول الراتب إلى "شام كاش"، وإنما في القدرة على سحبه، إذ أخبرته مكاتب بعدم توفر السيولة، بينما حددت مكاتب أخرى سقفاً للمبلغ الذي يمكنه سحبه.
وفي سياق متصل، يقول محمد عبد الكريم، مهندس معلوماتية، لـ"المدن"، إن المشكلة تتجاوز السحب إلى استخدام الرصيد نفسه في السوق.
ويضيف: "إذا لم أستطع سحب راتبي، والتاجر أيضاً لا يريد أن يأخذ المبلغ عبر شام كاش، يصبح الرصيد موجوداً على الهاتف فقط".
من جهتها، تؤكد منيرة داود، موظفة في القطاع العام، لـ"المدن"، إنها لم تتمكن من سحب أي مبلغ من راتبها منذ تحويله إلى "شام كاش"، رغم محاولاتها الحصول على السيولة من منافذ الصرافة.
وتوضح داود أنها اضطرت، نتيجة عدم قدرتها على الوصول إلى راتبها، إلى الاعتماد على شقيقها، الذي أعطاها نقداً مبلغاً لم يتجاوز مليون ليرة سورية، لتتمكن من تأمين حاجات منزلها الأساسية لأطفالها الثلاثة.
وتضيف أن المشكلة بالنسبة إليها لم تعد مرتبطة باستخدام تطبيق للدفع الإلكتروني، وإنما أصبحت مرتبطة بالقدرة على تأمين الاحتياجات اليومية، مشيرة إلى أن عدم القدرة على سحب الراتب وضعها أمام خيار طلب المساعدة من أفراد أسرتها، رغم وجود راتبها في حسابها.
وترى داود أن استمرار صعوبة السحب يضع الموظفين أمام مشكلة حقيقية، خصوصاً من يعتمدون على الراتب الشهري لتأمين احتياجات أسرهم ولا يملكون مصادر دخل أخرى.
أزمة سيولة تتجاوز التطبيق
تأتي هذه الشكاوى في وقت تعاني فيه السوق السورية نقصاً في السيولة النقدية، بالتزامن مع عملية استبدال العملة والإجراءات المتخذة لإدارة النقد المتداول.
فالمحفظة الإلكترونية تستطيع تسجيل الراتب وتحويله، لكنها لا تستطيع وحدها توفير الأوراق النقدية عندما يطلب المستخدم سحب أمواله. وتصبح العملية مرتبطة بالسيولة الموجودة لدى المصارف وشركات الصرافة ومنافذ السحب.
يقول جابر العلبي، عضو في غرفة صناعة دمشق، لـ"المدن"، إن "هناك شحاً واضحاً بالسيولة، ليس عبر التطبيقات فقط، بل في المصارف التي تتشدد أكثر في عمليات السحب، وتختصرها بمبالغ قليلة جداً".
ويضيف أن القيود على السحب أصبحت، بحسب ما يلمسه في السوق، مشكلة تتجاوز الأفراد إلى أصحاب الأعمال الذين يحتاجون إلى السيولة لتسديد التزاماتهم اليومية.
ويعطي مثالاً على ذلك، قائلاً إن شخصاً لديه 30 مليون ليرة سورية (نحو 231 ألف دولار) في حسابه قد لا يتمكن، بحسب ما يصفه، من سحب أكثر من مبالغ محدودة جداً يومياً، قد تصل إلى نحو 10 آلاف ليرة (نحو 77 دولاراً)، وقد ترتفع في بعض الحالات إلى نحو 20 ألف ليرة (نحو 154 دولاراً)، تبعاً لسياسة المصرف وطريقة إدارته للسيولة.
ويعتبر العلبي أن هذه المبالغ لا تتناسب مع حجم الأرصدة الموجودة في الحسابات ولا مع احتياجات المواطنين والتجار، خصوصاً في سوق لا تزال تعتمد بدرجة كبيرة على النقد، مشيراً إلى إن المشكلة لا تتعلق فقط بوجود المال في الحساب، وإنما بإمكان الوصول إليه، الأمر الذي ينعكس على حركة البيع والشراء والتزامات التجار والمورّدين.
سوق غير رسمية لتسييل الأرصدة
وخلال الأسبوع الماضي، ظهرت في السوق ممارسات غير رسمية لتسييل أرصدة " شام كاش"، بحسب مستخدمين ومصادر في السوق تحدثت إليها "المدن"، إذ لجأ بعض أصحاب الأرصدة إلى وسطاء أو أفراد مستعدين لتوفير السيولة النقدية مقابل الحصول على الرصيد الإلكتروني.
وبحسب هذه الشهادات، وصلت المبالغ التي تُقتطع مقابل توفير النقد في بعض الحالات إلى نحو 15% من قيمة المبلغ المراد سحبه، ما يعني أن صاحب رصيد قدره مليون ليرة، على سبيل المثال، قد يحصل على نحو 850 ألف ليرة نقداً فقط.
وتكشف هذه الممارسات عن فجوة متزايدة بين القيمة المسجلة إلكترونياً في حسابات المستخدمين والقيمة النقدية التي يستطيعون الوصول إليها فعلياً، في ظل صعوبة الحصول على السيولة من القنوات الرسمية.
إجراءات إدارة السيولة انعكست على السحب
في المقابل، قال مصدر يعمل في إحدى شركات الصيرفة لـ"المدن"، إن الإجراءات التي انعكست على عمليات السحب ترتبط، بحسب معلوماته، بطريقة إدارة مصرف سوريا المركزي للسيولة المتوفرة في السوق. وأوضح المصدر أن محدودية السيولة المتاحة انعكست على شركات الصرافة، التي أصبحت تعمل وفق الكميات النقدية الموجودة لديها، ما أدى إلى تقييد عمليات السحب وتفاوت المبالغ التي يمكن للمستخدمين الحصول عليها.
وبحسب المصدر، فإن عملية استبدال العملة زادت من الضغط على السيولة، إذ إن حجم العملة القديمة التي كانت متداولة في السوق كان أكبر من حجم العملة الجديدة التي جرى إصدارها وضخها. وأضاف أن سحب العملة القديمة وإدخال العملة الجديدة إلى التداول يتطلبان توازناً في الكميات، وأن الفجوة بين النقد الذي يخرج من التداول والنقد الجديد الذي يدخل السوق انعكست على قدرة شركات الصرافة على توفير السيولة.
وأشار المصدر إلى أن شركات الصرافة أصبحت تعمل وفق السيولة المتوفرة لديها، وهو ما يفسر، بحسبه، اختلاف سقوف السحب بين شركة وأخرى ومنفذ وآخر. وشدد على أن المشكلة لا تتعلق بأرصدة المستخدمين الموجودة على "شام كاش"، وإنما بالسيولة النقدية المتاحة لتلبية طلبات السحب.
ملايين المستخدمين في منظومة واحدة
وتأتي المشكلة في وقت يتسع فيه الاعتماد على "شام كاش" في الرواتب والتحويلات والمدفوعات. وكانت وزارة المالية قد عملت في وقت سابق على ربط المصارف العامة والخاصة وشركات الحوالات وخدمة "شام كاش".
وبحسب إدارة "شام كاش"، تجاوز عدد مستخدمي التطبيق 4.2 ملايين مستخدم في أيار 2026، مع تنفيذ نحو مليوني عملية تحويل يومياً، مشيرة إلى توسع الخدمة في مختلف المحافظات السورية.
يعني هذا الانتشار أن مشكلة السيولة في منافذ السحب لا تطال عدداً محدوداً من المستخدمين، وإنما يمكن أن تنعكس على ملايين الأشخاص الذين باتوا يعتمدون على التطبيق في التحويلات والرواتب والمدفوعات.
عمولة السحب 3 بالألف
وفي مواجهة شكاوى المستخدمين من العمولات، أوضح تطبيق "شام كاش" أن الحد الأقصى المعتمد لعمولة السحب هو 3 بالألف، مؤكداً أنه لا يجوز لأي جهة معتمدة تقاضي عمولة تتجاوز هذه النسبة. وأعلن التطبيق، في بيان، إطلاق خدمة للشكاوى عبر موقعه الإلكتروني، تتيح للمستخدمين الإبلاغ عن أي مخالفة تتعلق بعمليات السحب لدى شركات الصرافة والحوالات المعتمدة، أو الوكلاء والفروع والمكاتب التابعة لشبكاتها. وأوضح أن المستخدم يستطيع تقديم شكوى في حال تقاضي عمولة أعلى من النسبة المحددة، أو وجود أي مخالفة في عملية السحب.
وتأتي هذه الخطوة في ظل شكاوى عن تفاوت في العمولات بين منافذ السحب، في وقت تؤكد فيه الشركة وجود نسبة محددة لا يجوز تجاوزها.
في المقابل، نفى مدير التسويق والعلاقات العامة في "شام كاش"، محمد بسيكي، أن تكون الشركة قد فرضت سقفاً موحداً على عمليات السحب. وقال إن "تحديد سقف السحب النقدي، لا يتعلق بسقف مفروض من قبل شام كاش على حسابات المستخدمين أو أرصدتهم".
وأوضح أن سقوف عمليات السحب متفاوتة بين شركات الصرافة والمكاتب، وأن الأمر مرتبط بالإجراءات المعتمدة لدى بعض الشركات ومنافذ السحب، وبمستويات السيولة المتاحة والمتطلبات التشغيلية والتنظيمية والتعليمات ذات الصلة بالتنسيق مع مصرف سوريا المركزي.
وأكد بسيكي أن المصرف المركزي لم يصدر قراراً رسمياً يحدد السحب اليومي بمليون ليرة أو مليون ونصف المليون ليرة أو بأي مبلغ آخر. وأضاف أن كل شركة تتيح السحب وفق إمكانياتها التدفقية والسيولة المتاحة لديها، مشيراً إلى أن العمل جارٍ على معالجة مشكلة السيولة.
ومع اتساع الاعتماد على "شام كاش" في دفع الرواتب والتحويلات، تتحول مشكلة السحب من مسألة مرتبطة بخدمة دفع إلكتروني إلى اختبار لقدرة النظام المالي السوري على توفير السيولة التي تقابل الأموال المسجلة إلكترونياً في الحسابات. فبالنسبة إلى الموظف، لا تكفي رؤية الراتب على شاشة الهاتف ما دام غير قادر على استخدامه في السوق. المال موجود إلكترونياً، لكن قيمته النقدية لا تزال عالقة في أزمة السيولة.
نور ملحم - المدن