السيولة في مصر تتراجع لأول مرة منذ 9 سنوات.. لكن الجنيه يخفي القصة الحقيقية

السيولة في مصر تتراجع لأول مرة منذ 9 سنوات.. لكن الجنيه يخفي القصة الحقيقية -- Aug 20 , 2026 3

رصدت بيانات البنك المركزي المصري لشهر يونيو أمراً نادر الحدوث، حيث أظهرت تراجع مؤشر السيولة المحلية لأول مرة منذ 9 سنوات. 

اعتبر بعض المصرفيين التراجع نجاحاً للسياسة النقدية المتشددة التي يتبناها البنك المركزي في كبح السيولة والضغوط التضخمية، ومؤشراً على احتمال قرب استئناف خفض سعر الفائدة للمرة الأولى منذ اندلاع حرب إيران. 

لكن قراءة مكونات البيانات تكشف صورة أكثر تعقيداً، حيث جاء الانخفاض رغم ارتفاع الودائع بالجنيه وبالعملات الأجنبية، ما يجعل تحرك سعر الصرف مفتاحاً لفهم الرقم.

ماذا نقصد بالسيولة؟
المقصود هنا هو المعروض النقدي الواسع "M2"، والذي يتضمن النقد المتداول خارج البنوك، والودائع بالجنيه، إضافة إلى الودائع بالعملات الأجنبية بعد تحويل قيمتها إلى الجنيه المصري.

انخفض المؤشر بنسبة 0.4% على أساس شهري في يونيو، إلى نحو 15.26 تريليون جنيه، في حين ظلت السيولة أعلى بنحو 16.7% مقارنة بمستواها في الشهر نفسه من العام الماضي.

وهنا تظهر أهمية سعر الصرف. فارتفاع الجنيه أمام الدولار يخفض القيمة المحاسبية للودائع الدولارية عند تحويلها إلى الجنيه، حتى لو لم يسحب العملاء أي أموال من حساباتهم.

هذا ما حدث في يونيو، فبالتزامن مع انخفاض متوسط سعر الدولار من نحو 52.33 جنيه في مايو إلى 49.28 جنيه، ارتفع إجمالي الودائع بالعملات الأجنبية لدى البنوك، باستثناء البنك المركزي، بنسبة 1.2% على أساس شهري إلى 66.24 مليار دولار، لكن قيمتها بالجنيه تراجعت بفعل سعر الصرف.

كما زادت الودائع بالعملة المحلية بنسبة 1.7% إلى نحو 10.35 تريليون جنيه. وساهم انخفاض النقد المتداول خارج الجهاز المصرفي في تراجع السيولة، إذ هبط بنحو 88 مليار جنيه خلال الشهر.

 

وبالتالي، فإن ارتفاع الودائع بالعملات الأجنبية عند قياسها بالدولار، بالتوازي مع زيادة الودائع بالعملة المحلية، لا يشيران إلى انكماش فعلي في الودائع أو إلى سحب واسع للسيولة.

وقال محمد أبو باشا، رئيس وحدة تحليل الاقتصاد الكلي في بنك الاستثمار "إي إف جي هيرميس"، إن تقلبات سعر الصرف خلال فترة الحرب انعكست مباشرة على أرقام السيولة المحلية، لأن جزءاً من الودائع المصرفية مقوّم بالدولار.

وأضاف أن ارتفاع الجنيه يخفض القيمة المسجلة لهذه الودائع عند تحويلها إلى العملة المحلية، ولذلك فإن انخفاض المعروض النقدي في يونيو "ليس تراجعاً حقيقياً" بقدر ما هو انعكاس لحركة سعر الصرف.

ويتفق هاني جنينة، رئيس قطاع البحوث في "الأهلي فاروس" مع هذا التفسير، إذ يرى أن إعادة تقييم الودائع بالعملات الأجنبية كانت عاملاً رئيسياً وراء انخفاض السيولة، مشيراً إلى أن الودائع بالجنيه لم تنخفض فعلياً. 

لكن هل يستهدف المركزي "M2" مباشرة؟
لا يعمل البنك المركزي المصري حالياً وفق نظام يستهدف فيه مستوى محدداً للمعروض النقدي الواسع أو معدل نمو ثابتاً له باعتباره الهدف الرئيسي للسياسة النقدية.

يركز الإطار النقدي في مصر على استهداف التضخم، مستخدماً أسعار الفائدة وأدوات إدارة السيولة للتأثير على الائتمان والإنفاق والطلب والأسعار. 

وقد يمتص البنك المركزي فائض السيولة لدى البنوك بهدف إبقاء أسعار الفائدة قصيرة الأجل عند المستويات التي يراها مناسبة. لكن هذا لا يعني أن كل انخفاض في "M2" يمثل بالضرورة نتيجة مباشرة لعملية سحب سيولة من جانب البنك المركزي.

 

لكن تقرير "صندوق النقد" الأخير عن الاقتصاد المصري الصادر هذا الشهر، رصد تباطؤ نمو المعدل السنوي في "M2" منذ فبراير 2025 كأحد الدلائل التي تدعم انحسار المسار التضخمي، حيث بلغ متوسط المعروض النقدي 18.9% بين يناير إلى مايو 2026 مقابل 22.1% في النصف الثاني من 2025، مدفوعاً بشكل أساسي بتراجع مساهمة صافي المطالبات على القطاع العام.

لماذا ربط البعض بيانات يونيو باحتمال خفض الفائدة؟
رغم التحفظات على تفسير البيانات، رأى بعض المصرفيين أن انخفاض السيولة قد يشير إلى تحسن في السيطرة على الضغوط التضخمية، وربما يفتح المجال أمام خفض أسعار الفائدة في الاجتماعات المقبلة.

وقال الخبير المصرفي محمد عبد العال، إن تراجع السيولة قد يعكس نجاح السياسة النقدية المتشددة في احتواء التضخم، مضيفاً أن استمرار هذا الاتجاه قد يمنح البنك المركزي مساحة لخفض الفائدة.

 

كما اعتبرت سحر الدماطي، نائبة رئيس "بنك مصر" الأسبق، أن تراجع السيولة قد يدعم إمكانية خفض نسبة الاحتياطي الإلزامي مستقبلاً. ومن شأن خطوة كهذه تحرير جزء من الأموال لدى البنك المركزي، ما يمنح البنوك قدرة أكبر على التوسع في الإقراض.

وقد يكون خفض الاحتياطي الإلزامي مهماً للبنوك تحديداً في المرحلة الحالية، مع ارتفاع الطلب على التمويل وزيادة نسبة القروض إلى الودائع خلال العامين الماضيين، ما عزز المنافسة بينها على جذب ودائع جديدة بالجنيه.

قراءة واحدة لا تكفي
لكن الانتقال من قراءة شهرية واحدة للمعروض النقدي إلى توقع خفض الفائدة يظل استنتاجاً مبكراً. فقرارات البنك المركزي تعتمد على مجموعة أوسع من المؤشرات، تشمل:

مسار التضخم المتوقع
مستوى أسعار الفائدة الحقيقية
تحركات سعر الصرف
أسعار الطاقة والسلع
قوة الطلب المحلي
مخاطر عودة الضغوط الخارجية أو الجيوسياسية
وأبقى البنك المركزي أسعار الفائدة من دون تغيير في يوليو للمرة الثالثة على التوالي، عند 19% للإيداع، و20% للإقراض، و19.5% لسعر العملية الرئيسية، وسط استمرار التضخم عند مستويات مرتفعة وعدم اليقين المرتبط بالحرب.

 

كما أبقى البنك على تقديراته بأن يقترب التضخم من مستهدفاته خلال النصف الثاني من 2027، رغم تحسن نظرته إلى مسار الأسعار خلال الأشهر الأخيرة.

المصدر:
الشرق بلومبرغ

أقرأ أيضاَ

ما هي "عملية تويست" التي استحضرتها خطوة بيسنت لخفض العوائد؟

أقرأ أيضاَ

النفط يرتفع لليوم الخامس مع تصعيد ترمب ضد إيران