شتاء الاستنزاف: المحروقات والأقساط تلتهم ما تبقّى من المداخيل

شتاء الاستنزاف: المحروقات والأقساط تلتهم ما تبقّى من المداخيل -- Aug 31 , 2026 3

لا يحمل الشتاء المُقبل للبنانيين برودة الطقس، وهو تحصيل حاصل، بل يُنذر بموسم جديد من الضغوط المعيشية، حيث تتقاطع احتمالات ارتفاع أسعار المحروقات وكلفة التدفئة مع الأعباء المدرسية والطبابة وسائر النفقات الأساسية. وفي اقتصاد ما زال يعتمد بدرجة كبيرة على الاستيراد ويخضع لتقلبات الأسواق الخارجية، تصبح أي صدمة في أسعار الطاقة أو تصاعد في التوترات الجيوسياسية عاملا مباشرًا لرفع كلفة المعيشة واستنزاف مداخيل الأسر.

تزداد خطورة المرحلة المُقبلة مع استمرار الفجوة بين نمو الأسعار وارتفاع الأجور، إذ يجد اللبناني نفسه أمام سلة من الحاجات الأساسية التي لا يستطيع التخلي عنها، مهما ارتفعت كلفتها. وبين المحروقات والتعليم والطبابة والغذاء، تنكمش الخيارات أمام الأسر وتتراجع قدرتها على الإنفاق، ما يُهدّد بتحويل فصل الشتاء إلى محطة جديدة لاستنزاف المدخرات والقدرة الشرائية، وانكماش إضافي في الاستهلاك داخل السوق المحلية.


في هذا السياق، يلفت أستاذ الاقتصاد في الجامعة اللبنانية د. جاسم عجاقة لـ "نداء الوطن"، إلى أن "الوعود التي رافقت مسار دولرة الاقتصاد كانت تقوم على أساس أن اعتماد الدولار سيساهم في معالجة الاختلالات الاقتصادية واستقرار الأسعار، إلا أن الواقع أفرز نتائج مختلفة. فمع دولرة جزء كبير من الاقتصاد، وارتباط قسم من رواتب العاملين في القطاعين العام والخاص بالدولار، باتت التقلبات الخارجية تنتقل بصورة أسرع ومباشرة إلى السوق المحلية".

تضخم مستورد

يوضح عجاقة أن "أي ارتفاع في أسعار السلع والخدمات في الخارج ينعكس تلقائيًا على الأسعار في لبنان، في ما يُعرف بـ "التضخم المستورد". ويقول إن "التسعير المباشر بالدولار جعل الاقتصاد اللبناني أكثر عرضة للتأثر بالمتغيرات الخارجية، إذ إن ارتفاع أسعار السلع في الأسواق العالمية ينتقل سريعاً إلى السوق المحلية، ما يؤدي إلى زيادة الكلفة على المستهلك".

ولا يقتصر الضغط التضخمي، بحسب عجاقة، على "العوامل الخارجية فقط، بل يتعزز أيضًا من خلال سلوك بعض التجار الذين يرفعون هوامش أرباحهم التشغيلية بدافع التحوّط". ويوضح أن "بعض التجار يستبقون ارتفاعات محتملة في الأسعار عبر تعديل أسعارهم مسبقًا، انطلاقًا من توقعات بارتفاع الكلفة في المستقبل، الأمر الذي يضيف ضغوطًا جديدة على الأسعار".


ويشير عجاقة إلى أن "المشكلة الأساسية تكمن في طبيعة سلة الاستهلاك التي يعتمد عليها المواطن اللبناني منذ أزمة عام 2019، والتي تضم خدمات وسلعًا أساسية، مثل التعليم والمحروقات والتنقل والطبابة، وهي بنود لا يستطيع المستهلك الاستغناء عنها أو خفض استهلاكها بسهولة".

ويشرح أن هذه "السلع والخدمات تتمتع بـ"مرونة سعرية منخفضة"، بمعنى أن المواطن سيستمر في استهلاكها حتى مع ارتفاع أسعارها، لأنها مرتبطة بحاجات أساسية والتزامات لا يمكن تأجيلها أو الاستغناء عنها. وبالتالي، فإن ارتفاع كلفتها يستنزف حصة متزايدة من مداخيل الأسر، ويؤدي تلقائيًا إلى تراجع قدرتها على استهلاك سلع وخدمات أخرى، ولا سيما الكماليات".

ويؤكد أن "هذه المعادلة تدفع إلى نتيجة واضحة تتمثل في تجاوز معدل التضخم لوتيرة زيادة الأجور، ما يعني أن التحسن الاسمي في الرواتب لا يواكب الارتفاع الفعلي في كلفة المعيشة". ويحذر من أن "هذه الضغوط قد تتفاقم خلال فصل الشتاء، خصوصًا في حال تصاعد التوتر الجيوسياسي القائم بين الولايات المتحدة وإيران وما قد يرافقه من ارتفاعات إضافية في أسعار الطاقة والمحروقات".

استنزاف المدخرات

عمليًا، يرى عجاقة أن "الطبقة الوسطى، أو ما تبقّى منها، ستكون من أكثر الفئات عرضة للاستنزاف، إذ ستضطر إلى استخدام جزء من مدخراتها لتغطية التزامات أساسية، وفي مقدمها أقساط المدارس والمحروقات والتدفئة. وفي المقابل، ستبدأ هذه الأسر بخفض إنفاقها على الكماليات والتركيز بصورة أكبر على الاستهلاك الأساسي".

أما أصحاب الدخل المحدود، فيتوقع عجاقة أن "يواجهوا ضغوطًا أشد، ما سيدفعهم إلى إعادة توزيع إنفاقهم وتقليص استهلاك بعض الحاجات الأساسية أو استبدالها ببدائل أقل كلفة". ويضرب مثالا على ذلك "لجوء بعض الأسر، في حال ارتفاع أسعار المازوت، إلى وسائل تدفئة بديلة قد تشمل قطع الأشجار، كما قد تضطر بعض العائلات إلى خفض إنفاقها حتى على الغذاء لتأمين احتياجات أخرى ملحّة".


يضيف أن "هذه الفئات قد تجد نفسها أمام صعوبة متزايدة في تأمين أقساط المدارس أو كلفة التدفئة والطبابة، ما قد يدفع بعض الأسر إلى اللجوء إلى الاستدانة لتغطية نفقاتها الأساسية".

المحروقات والأقساط

يرى عجاقة أن "ارتفاع أسعار المحروقات سيؤدي إلى استنزاف السيولة النقدية لدى الأسر، بما ينعكس على قدرتها على الإنفاق على الغذاء والصحة وسائر الحاجات الأساسية". كما يتوقع ارتفاعًا في الكلفة التشغيلية للمدارس، وهو ما قد ينعكس بدوره على الأقساط المدرسية".

ونظرًا إلى الأهمية التي يوليها اللبنانيون لتعليم أبنائهم، يشير إلى أن "بعض الأسر قد تلجأ إلى حلول استثنائية لتأمين كلفة التعليم، بما في ذلك بيع أصول أو أراضٍ. أما الأسر غير القادرة على تحمل كلفة التعليم الخاص، فقد تضطر إلى التوجه نحو القطاع العام".

وفي موازاة ذلك، يحذر من أن "تراجع القدرة الشرائية سيقود إلى انكماش الطلب في السوق الداخلية، مع خفض الإنفاق على السلع والخدمات غير الأساسية. وهذا التراجع سينعكس سلبًا على عدد من المؤسسات والقطاعات التجارية والخدماتية، ويؤدي في نهاية المطاف إلى إبطاء وتيرة النمو الاقتصادي".

شبكات أمان لتخفيف الصدمة

اقتصاديًا، يشدد عجاقة على "ضرورة بناء شبكات أمان اجتماعي أكثر فاعلية لحماية الأسر من الضغوط المعيشية المتصاعدة، من خلال تقديم دعم مباشر للعائلات عبر بطاقات تمويلية أو مساعدات نقدية".

كما يدعو إلى "ضبط آليات تسعير الأقساط المدرسية، لمنع الزيادات العشوائية وغير المبررة، إلى جانب تفعيل النقل المشترك باعتباره خطوة أساسية لتخفيف العبء الناتج من ارتفاع كلفة المحروقات والحد من الإنفاق على الطاقة، بما يساعد أيضًا على تقليص خروج الدولارات مقابل خدمات يمكن توفير بدائل محلية لها".

ويختم بالتشديد على "أهمية إجراء مراجعة دورية للأجور والمعاشات، بما يراعي معدلات التضخم الفعلية ويحمي القدرة الشرائية، خصوصًا في ظل استمرار ارتفاع كلفة السلع والخدمات الأساسية وتراجع قدرة الأسر اللبنانية على امتصاص صدمات جديدة".

الشتاء المُقبل لن يكون اختبارًا لقدرة اللبنانيين على مواجهة البرد فحسب، بل لقدرتهم على تمويل أبسط متطلبات الحياة في اقتصاد تتسع فيه الفجوة بين الدخل والكلفة. ومع كل ارتفاع جديد في المحروقات أو الأقساط أو أسعار السلع الأساسية، تتراجع مساحة الخيارات أمام الأسر، وتتحول المدخرات تدريجيًا إلى وسيلة لتغطية النفقات اليومية بدل أن تكون ضمانة للمستقبل.

رماح هاشم - نداء الوطن

أقرأ أيضاَ

"مجلس النقد" في لبنان: حين يرفضه خبراء ويموّله مسوّقون

أقرأ أيضاَ

23 ملياراً بلا تمويل: كيف أعادت الحكومة صياغة الودائع على الورق؟