وعود ترمب بنفط فنزويلا تواجه سنوات من التنقيب والاستثمار -- Aug 31 , 2026 2
حتى لو لم يواجه إعلان الرئيس دونالد ترمب أن الولايات المتحدة أصبحت تتحكم بأغلبية الاحتياطيات النفطية المؤكدة في فنرويلا معارضة سياسية وقانونية في البلاد، فإن الاتفاق لن يضيف براميل جديدة لأميركا أو أسواق النفط قبل سنوات، حتى وفق أفضل التقديرات.
حيث يجمع الخبراء على أن صعوبة استخراج النفط الفنزويلي الثقيل، وحجم الاستثمارات المطلوبة لذلك يمثلان معاً أكبر تحد عملي للاتفاق الذي أبرمته رئيسة فنزويلا المؤقتة ديلسي رودريغيز مع إدارة ترمب.
وصف وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو الاتفاق بأنه مكسب للبلدين، قائلاً عبر منصة "إكس" إنه سيؤمّن للولايات المتحدة نفطاً مستقرّاً ويساعد على خفض أسعار البنزين. وأضاف أن الاتفاق سيجلب إلى فنزويلا ما يقارب 100 مليار دولار من الاستثمارات الخاصة.
أما رودريغيز، التي تولت المنصب بعد أن اعتقلت الولايات المتحدة الرئيس السابق نيكولاس مادورو في غارة على العاصمة كاراكاس في يناير، فروّجت للاتفاق باعتباره مفتاحاً للرخاء وفرص العمل، حيث أعلنت أنه سيتيح زيادة كبيرة في الإنتاج عبر تطوير 17 حقلاً استراتيجياً، وسيدرّ على البلاد عائدات ضريبية يبلغ مجموعها 209 مليارات دولار.
غير أن الإعلان واجه بالفعل انتقادات حادة من المعارضة، وحتى من الحركة السياسية التي تنتمي إليها رودريغيز، وسط اتهامات للرئيسة المؤقتة بالتفريط في ثروات البلاد والانصياع لواشنطن مقابل تأمين قبضتها على السلطة، وفق تقرير لـ "بلومبرغ".
امتياز تقليدي بنفس المخاطر
ونقلت "بلومبرغ" عن مسؤول أميركي قوله إن الاتفاق ينص على إنشاء شركة تتحكم من خلالها واشنطن بـ55% من الإنتاج الفعلي. وأضاف التقرير أن الشركة، التي ستضم القطاع الخاص أيضاً، ستكون ثاني أكبر شركة نفط في العالم من حيث الاحتياطيات المؤكدة.
بيل فارين-برايس، الزميل في معهد أكسفورد لدراسات الطاقة، رأى أن الترتيب الذي تحدث عنه كل من روبيو ورودريغيز لا يعكس سيطرة أميركية مباشرة على النحو الذي عبّر عنه ترمب، و التي تتنافى مع الدستور الفنزويلي الذي يمنع الملكية الأجنبية للاحتياطيات النفطية الأكبر في العالم.
وأضاف أن الاتفاق لا يظهر أن الولايات المتحدة تملك النفط، بل يبدو امتيازاً تقليدياً مشابهاً لما تمنحه دول كثيرة، من بينها فنزويلا، وهو "خاضع لمخاطر الاستثمار نفسها التي يخضع لها أي مشروع آخر"، و توقَع أن يكون له "أثر محدود جداً لأن الإنتاج الفعلي يبعد سنوات".
"بلومبرغ إيكونوميكس" شككت في تقرير لها قبل الإعلان في أن تبدي شركات النفط الأميركية أو العالمية حماساً كبيراً للمشاركة بسبب المخاطر السياسية التي تحيط بمستقبل الاتفاق، خاصة في ظل تاريخ فنزويلا المعادي للنفوذ الأميركي.
تنتج حالياً فنزويلا نحو 1.2 مليون برميل يومياً، مقابل ذروة تناهز 3.5 مليون برميل يومياً في 1998، تراجعت بفعل نقص الاستثمارات الذي تسببت به عمليات التأميم آنذاك، ثم العقوبات الأميركية.
الإنتاج الفنزويلي متدن جداً مقارنةً باحتياطي يناهز 300 مليار برميل، لأن أغلبه من النفط الثقيل جداً، وتفوق كلفة استخراجه ومعالجته ونقله كلفة النفط السعودي، أو الخليجي بشكل عام.
وأشار إلى أن الاتفاق "لا يظهر أنّ الولايات المتحدة تملك النفط، بل يبدو كأنه امتيازاً تقليدياً" يتماشى مع القوانين الفنزويلية التي تسمح، كما هو الحال في العديد من البلاد المنتجة للبترول، باستثمارات أجنبية في تطوير وتشغيل حقول مقابل الحصول على نسبة من النفط المنتج كتعويض مالي، مع بقاء ملكية المكامن الجوفية بيد الدولة.
براميل تستفيد منها واشنطن و لا تنافس الخليج
يؤكد ناجي أبي عاد، الزميل في “مركز الخليج للأبحاث" في السعودية أن "فنزويلا لم تكن يوماً منافساً للشرق الأوسط" التي هي أرخص وأقرب جغرافيا لآسيا، السوق الأكبر عالمياً و الأسرع نمواً.
و تتوقع من ناحيتها كايت دوريان، الكاتبة المتخصصة في شؤون النفط في نشرة "ميدل إيست إيكونوميك سيرفي" (MEES) أن "معظم النفط الثقيل الذي سيُنتج في فنزويلا سينتهي في الولايات المتحدة" حيث أن مصافي ساحل الخليج مصممة لمزج وتكرير الخامات الثقيلة والعالية الحموضة القادمة من كندا والمكسيك.
وخلص فرات الموسوي، رئيس مركز العراق للطاقة في بغداد، إلى القول أن "الأثر القريب سيكون محدوداً، لكنَه استراتيجياً قد يمنح واشنطن مصدراً إضافياً للنفط الثقيل ويقلل جزءاً من حساسيتها تجاه اضطرابات الشرق الأوسط".
ماذا عن عضوية "أوبك"؟
لكن عدداً من الخبراء رأى أن الاتفاق، والنفوذ الأميركي المتزايد في فنزويلا، قد يضغط على كاراكاس لتعيد النظر في عضويتها في "أوبك" أو يعقد مفاوضات الإنتاج في المنظمة.
يقول فرانسيس بيران، الباحث في معهد العلاقات الدولية والاستراتيجية بفرنسا، أنه "إذا تحقق ما أُعلن عنه وأصبح في مقدور فنزويلا إنتاج أكثر بكثير، فستقول دول أوبك الأخرى إن عليها الالتزام بحصة، وسيؤدي ذلك الى مفاوضات صعبة داخل المنظمة" التي شاركت كاراكاس في تأسيسها عام 1960، في بغداد.
أما أبي عاد، فيرى أن التحدي يكمن في عدم قدرة فنزويلا على مواجهة أي ضغط من إدارة ترمب لمخالفة قرارات "أوبك".
غير أن هذا السيناريو يتطلب أولاً قدرة فنزويلا على زيادة الإنتاج، فهي الآن واحدة من ثلاث دول في “أوبك” معفاة من نظام حصص الإنتاج مع إيران وليبيا، لكون هذه الدول تنتج بمعدلات تقل عما كانت عليه تاريخياً بسبب اضطرابات سياسية أو عقوبات أميركية أو الاثنين معاً.
وكان العراق قد نفى في يونيو الماضي نية الانسحاب من "أوبك" على غرار الإمارات، التي تركت المنظمة في شهر مايو، غير أن رئيس الوزراء علي الزيدي أكد أن بلاده ستطلب زيادة حصة الإنتاج لتتناسب مع احتياجات الاقتصاد.
مناورة ترمب السياسية
سياسياً، من الصعب فصل الاتفاق عن محاولة ترمب إقناع الناخبين الأميركيين بقدرته على خفض أسعار البنزين التي ارتفعت بسبب الحرب التي شنتها الولايات المتحدة وإسرائيل على إيران.
تتزايد أهمية الحديث عن الأسعار قبل أسابيع من انتخابات التجديد النصفي للكونغرس، والتي يواجه فيها الحزب الجمهوري خطر خسارة الأغلبية في مجلسي النوّاب والشيوخ.
لكن رد فعل وسائل الإعلام الأميركية ميّز بين أثر الاتفاق المحتمل وقدرته شبه المنعدمة على التأثير في الأسعار حالياً.
ونقلت "فوكس نيوز"، المعروفة بانحيازها لترمب، تقديراً لـ"ريستاد إينيرجي" يرهن زيادة إنتاج النفط الفنزويلي 17% بحلول 2028 بـ"تطورات معتبرة" من بينها "تكثيف أنشطة الحفر، وتنفيذ حملات واسعة لصيانة الآبار وإعادة تأهيلها، وتحسين البنية التحتية، وزيادة عدد منصات الحفر المتاحة بشكل كبير."
تحرير :
علاء شاهين صالحة
المصدر:
الشرق بلومبرغ