"مجلس النقد" في لبنان: حين يرفضه خبراء ويموّله مسوّقون -- Aug 31 , 2026 7
منذ اندلاع الأزمة المالية والنقدية في لبنان نهاية العام 2019 وبداية 2020، لم يخلُ نقاش الحلول من طرح "مجلس النقد" (Currency Board)، الذي يسوّقه أنصاره بوصفه خياراً "سحرياً" كفيلاً بإعادة ضبط سعر الصرف واستعادة الثقة بالليرة بشكل جذري وفوري، وبالتالي حل الأزمة المالية المتفاقمة منذ سنوات.
غير أن طرح مجلس النقد، الذي بقي لسنوات حبيس النقاشات الأكاديمية الضيقة وبعض الآراء والمقالات الفردية، تحوّل في الأشهر الأخيرة إلى حملة تسويقية شبه يومية، تُقدَّم فيها فكرة مجلس النقد بإلحاح لافت وكأنها الحل الوحيد القادر على انتشال لبنان من أزمته، مع تجاهل أو التعتيم على مفاعيل هذا الطرح وارتداداته وحتى الثغرات الجوهرية التي تحول دون تطبيقه، أقلّه في الوقت الحالي.
مجلس النقد الذي كان خلال الأعوام الأولى للأزمة، وتحديداً في العام 2021، نقاشاً تقنياً بين متخصّصين، تحوّل اليوم إلى ما يشبه الخطاب الدعائي المكرّر، مسنوداً إلى ندوة إلكترونية عقدت في شهر تموز الفائت برعاية مصرف لبنان جمعت شخصيات محلية ودولية بارزة في السياسات النقدية والمالية، وانتهت بالتوصية بمجلس النقد كحل جذري. نظم الندوة التي شملت 3 جلسات نقاش، رجل الأعمال اللبناني راي دبانة، وهو الرئيس التنفيذي لشركة الاستثمار العالمية ."Invus" غير أن بعض الإعلام اللبناني سوّق للندوة على أنها من تنظيم مصرف لبنان، في محاولة لإضفاء المصداقية المؤسساتية على طرح لم يحظَ بالتبنّي من مصرف لبنان حتى اللحظة، ولم يعطِ أي إشارة انفتاح على الطرح.
مصرف لبنان حسمها
قبل الدخول في جوهر الموضوع وجدوى طرح مجلس النقد من عدمه، لا بد من توضيح مرجعية الندوة التي شارك في واحدة من جلساتها حاكم مصرف لبنان كريم سعيد بصفته ضيفاً. وردّاً على استفسار رسمي وجّهته "المدن" إلى المصرف المركزي، أوضح الأخير أنه لم يكن الجهة المنظِّمة للندوة، لكن منظّميها طلبوا من حاكمية مصرف لبنان رعايتها والمشاركة فيها، وهو ما تم فعلاً: رعاية رسمية من المصرف بناء على طلب المنظّمين، مقابل مشاركة الحاكم كضيف في جلسة واحدة فقط لا أكثر. ما يعني أن المصرف المركزي غير معنيّ بكل ما نُشر أو يُنشر حول مجلس النقد. هذا التمييز الدقيق بين "الرعاية بناء على طلب" و"التبنّي أو التنظيم"، رغم بساطته، غاب عمداً أو سهواً عن كثير من التغطيات والمواد الترويجية التي قدّمت الحدث كأنه نشاط أطلقه مصرف لبنان أو تبنّاه بمبادرة منه.
وأكثر من ذلك يؤكد مصدر من مصرف لبنان لـِ "المدن" أن سعيد حسم موقفه بعد تلك الندوة بشكل قاطع بأن لا نقاش إطلاقاً حول مجلس النقد في المرحلة الراهنة، وهو خيار غير مطروح على طاولة المصرف المركزي.
خبراء يشكّكون بجدوى مجلس النقد
في المقابل، تعرض "المدن" آراء عدد من الخبراء في السياسات النقدية محلياً ودولياً، منهم الدكتور سعادة الشامي الذي أمضى عشرين عاماً في صندوق النقد الدولي متخصصاً بصنع السياسات الاقتصادية وبرامج الإصلاح المالي، ونائب حاكم مصرف لبنان الأسبق الدكتور ناصر السعيدي، والخبير القانوني المتخصّص في قضايا المصارف المركزية مهدي الحسيني، إضافة إلى خبراء فضلوا عدم ذكر أسمائهم، وآخرين شاركوا في ندوة نظّمها معهد عصام فارس للسياسات العامة في الجامعة الأميركية في بيروت. وعلى تفاوت خلفياتهم ومقارباتهم، ما بين الاقتصادية البحتة والقانونية، التقى هؤلاء على أن طرح مجلس النقد، في ظل الظروف اللبنانية الراهنة، غير مجدٍ وغير ملائم، بل قد يزيد الأزمة تعقيداً بدلاً من أن يحلّها.
وبين الترويج المتسارع في الأسابيع الأخيرة لمجلس لنقد، ومآخذ الخبراء المذكورين حوله، لا بد من تفكيك الطرح من زاويتين: الأولى تقنية تتعلق بمدى توافر الشروط الاقتصادية والمؤسساتية اللازمة لنجاح أي مجلس نقد في لبنان، والثانية تتعلق بخلفيات الترويج المكثف وتوقيته وأدواته وممولّيه. ووفق أكثر من مصدر متابع للملف، يتّضح أن دبانة ربما يسعى بصدق للمساهمة بإخراج لبنان من أزمته، لكنه وفق المصادر عينها، غير مطّلع بعمق على تعقيدات الواقع اللبناني السياسي والمصرفي، وهذا ما جعل الطرح عرضة لاستغلال البعض وفرصة لتحقيق مكاسب مادية مباشرة عبر الترويج المتواصل لمجلس النقد. ولا نستبعد بالتأكيد تشكّل قناعة لدى بعض الخبراء والدفاع عن مجلس النقد من وجهة نظرهم التي تُحترم بشتى الأحوال.
وبين الاختلاف في وجهات النظر والترويج المدفوع فارق كبير، وفي الحالتين لا بد من السؤال: ما هو مجلس النقد؟ وهل يشكّل فعلياً حلاً جذرياً للأزمة؟ وهل لبنان اليوم بحاجة إلى نقاش تقني عقلاني حول أدوات الإصلاح النقدي أم إلى حملة تسويقية مموّلة؟
ما هو مجلس النقد؟
مجلس النقد نظام نقدي صارم يربط العملة المحلية بعملة أجنبية بسعر صرف ثابت غير قابل للتغيير، مع إلزام الجهة المصدرة للعملة بتغطية الكتلة النقدية المحلية بالكامل؛ أي بنسبة 100%، باحتياطي فعلي من العملة الأجنبية. بمعنى أنه لا يمكن طباعة أي نقد محلي جديد إلا مقابل دولار أو يورو فعلي موجود في الاحتياطي، وأن أي ارتفاع أو انخفاض في الاحتياطي ينعكس تلقائياً زيادة أو نقصاناً في الكتلة النقدية المحلية، بلا أي هامش لتدخل السياسة النقدية.
هذا ما يعني ببساطة أنّه إذا كان رصيد الاحتياطات الأجنبية في لبنان ثلاثة مليارات دولار على سبيل المثال، وكان سعر الصرف محدداً بعشر ليرات مقابل الدولار، فإن مجلس النقد يُدخل ثلاثين مليار ليرة إلى الاقتصاد. وإذا ارتفعت الاحتياطات بمليون دولار يدخل عشرة ملايين ليرة أخرى تلقائياً، وإذا انخفضت تُسحب الليرة المقابلة من التداول.
النتيجة العملية لهذه الآلية، بحسب الشامي، أن مجلس النقد لا يملك أي أداة للتأثير في عرض النقد عبر أسعار الفائدة أو عمليات السوق المفتوحة، وهو ما يعني عملياً تجريد البنك المركزي من دوره كصانع سياسة نقدية ومن دوره كمقرض أخير للمصارف.
ويلفت إلى أن عدد الدول التي تعتمد هذا النظام تراجع بشكل كبير مع الوقت: من نحو 40 دولة في العالم في العام 1960، إلى أربع دول فقط اليوم تطبّق مجلس النقد بشكله الرسمي والمقيَّد هي: البوسنة والهرسك، بروناي، دار السلام، جيبوتي، ومنطقة هونغ كونغ الإدارية الخاصة.
ما هو الثمن الذي سندفعه؟
يضع الشامي السؤال الجوهري في صدارة تحليله قبل أي شيء آخر: "ما هو الثمن الذي يجب على البلد دفعه من أجل تثبيت سعر الصرف وكبح التضخم؟" ويصف مجلس النقد بأنه "أداة قديمة" أثبتت "عدم فعاليتها في كثير من الدول"، رغم إقراره بأن حسنته المعروفة تبقى قدرته على كبح التضخم وتثبيت سعر الصرف.
أما عن التجارب الدولية، فيستشهد الشامي بالأرجنتين التي اعتمدت النظام في تسعينيات القرن الماضي، ولم يساعدها ذلك على تعافٍ اقتصادي طويل الأمد، بل صارت لاحقاً "من أكثر عملاء صندوق النقد الدولي"، وسجّلت حالات متعددة من التخلف عن سداد ديونها ودخلت في سلسلة من برامج الصندوق وترتيباته.
وعلى السؤال الأكبر، "ما هو الثمن الذي يجب أن يدفعه لبنان من أجل الإقدام على اعتماد مجلس النقد؟"، يجيب الشامي بأنَّ المشكلة تكمن في أنَّ "ثمن تثبيت سعر الصرف في بلد مثل لبنان، الذي يتعرض لصدمات خارجية متعددة، يتمثل في أن الالتزام بمجلس النقد بالنسبة إلى السيولة المتوفرة قد يؤثر في قدرة الدولة على الإنفاق ونسب النمو التي قد تنكمش بشكل كبير في بعض الحالات". ويضيف أنه لو كانت الدولة اللبنانية "تتمتع بمالية منتظمة، وبحساب جارٍ منتظم"، لكان هناك مجال لاعتبار مجلس النقد خياراً مناسباً، أما في حال الحاجة الماسة لضخ سيولة تتجاوز ما يسمح به النظام، فإن ذلك "غير مسموح به"، وينعكس سلباً على النمو والتنافسية، "لأن سعر الصرف ثابت ولا يمكن تعديله حتى في أحلك الظروف".
كذلك يلفت الشامي إلى بُعد تنافسي أقل تداولاً، إذا كان الربط، كما يُطرح عادة، بالدولار الأميركي، بينما يستورد لبنان جزءاً كبيراً من احتياجاته من أوروبا، فإن أي تقلبات في سعر صرف الدولار مقابل اليورو قد تجعل لبنان "يفقد بعضاً من التنافسية اتجاه السوق الأوروبية"، بمعزل عن أي إصلاح داخلي.
ويخلص الشامي إلى أن الفكرة "جيدة من حيث المبدأ" حين يكون البلد في حالة اقتصادية ومالية ونقدية متينة، لا حين يتعرض لصدمات متكررة مثل لبنان، حيث يقيّد هذا النظام السياسة النقدية "كثيراً" ويسيء إلى الاقتصاد. ويشير إلى أن دور مصرف لبنان، في ظل مجلس النقد، "سيتحول بشكل جذري" ليقتصر على مراقبة مقدار السيولة المطروحة أو المسحوبة، من دون أي قدرة على التأثير في سعر الصرف أو مستوى الفوائد عبر عمليات السوق المفتوحة وسائر الأدوات النقدية.
باختصار يشكّك الشامي جداً بمدى فعالية مجلس النقد "لأسباب اقتصادية وعملانية"، ولعل أبرز ما يضيفه إلى النقاش هو البُعد السياسي المؤسساتي. ويقول: "في ظل نظام المحاصصة الطائفية والمذهبية، هل من الممكن أن يكون مجلس النقد مقبولاً سياسياً؟".
سؤال الشامي يتجاوز الجانب التقني البحت ليضع إصبعه على عقبة بنيوية أعمق في لبنان، وهي أن أي نظام نقدي مقيّد بقواعد صارمة يفترض حداً أدنى من الاستقرار المؤسساتي وقبولاً سياسياً واسعاً، وهو ما لا يتوفر بالضرورة في نظام سياسي قائم على التوازنات والحسابات الطائفية والمذهبية الدقيقة.
لا حل سحري بلا إصلاح شامل
من جهته السعيدي يخلص في أبحاثه وندواته، إلى نتيجة مشابهة، فيرى أن مجلس النقد "ليس حلاً سحرياً أو طوق نجاة" للأزمة اللبنانية، إنما يفرض انضباطاً نقدياً صارماً من دون أن يعالج جذور المشكلة المالية والهيكلية.
ويشدد السعيدي على أن نجاح أي مجلس نقد يتطلب شروطاً ماكرواقتصادية وتاريخية، واحتياطيات ضخمة من العملات الصعبة، وهي شروط غير متوافرة في الحالة اللبنانية الراهنة. ويدعو بدلاً من ذلك إلى مسار إصلاحي متكامل يبدأ من توحيد سعر الصرف وتعويمه، إعادة هيكلة القطاع المصرفي ومصرف لبنان، وتنفيذ برنامج إصلاحي شامل بالتعاون مع صندوق النقد الدولي. ويرى أنه إذا طُبّقت هذه الإصلاحات فعلاً، لن تكون هناك حاجة لمجلس نقد أصلاً، أما اعتماده من دون إصلاحات جذرية فقد يزيد الأزمة تعقيداً.
النقاش ينطلق من سؤال خاطئ
ويقدّم الحسيني مقاربة قانونية مختلفة تماماً عن المقاربات الاقتصادية، لكنها لا تقل أهمية. فيرى أن النقاش الدائر اليوم ينطلق أصلاً من سؤال خاطئ. وقبل البحث في جدوى مجلس النقد، يجب أولاً تحديد النظام النقدي القائم فعلياً في لبنان، لأن الخلط بين "سعر الصرف كرقم" و"النظام النقدي كإطار قانوني ومؤسساتي" هو ما يسمح بطرح حلول كبرى على أزمة لم تُحدَّد معالمها القانونية بعد.
الأهم في مقاربة الحسيني، أن صندوق النقد الدولي نفسه لم يطلب اعتماد مجلس نقد، بل وضع تسلسلاً واضحاً يبدأ بتوحيد سعر الصرف وإلغاء التعاميم المسبِّبة لتعدد الأسعار، وإنشاء منصة تداول شفافة، على أن يُترك اختيار النظام النقدي النهائي لمرحلة لاحقة بعد تحقيق حد أدنى من الاستقرار.
والأخطر، وفق الحسيني، أنَّ إنشاء مجلس نقد قبل تسوية الماضي؛ أي قبل تحديد مصير الودائع القديمة وديون الدولة تجاه مصرف لبنان وتوزيع الخسائر، لا يعالج الأزمة بل يقسمها إلى شطرين: نظام نقدي جديد منضبط من جهة، ونظام مالي قديم تبقى حقوقه وخسائره معلّقة خارجه من جهة أخرى. فالمخاطرة الحقيقية ليست في مبدأ مجلس النقد بذاته، بل في التسرع باعتماده قبل تنظيف الميزانية وتحديد الحقوق وفرض الانضباط المالي.
وفي ندوة سابقة، نظّمها معهد عصام فارس في الجامعة الأميركية، جمعت خبراء اقتصاديين وماليين محليين ودوليين ناقشوا الإصلاح النقدي في لبنان، أجمع هؤلاء على عدم تأييد طرح مجلس النقد في سياق عدة مقترحات نوقشت خلال الندوة. ويعود السبب، إلى أن مجلس النقد يركّز حصراً على تغطية النقد المتداول بالعملة الأجنبية بنسبة واحد لواحد، في حين أن جوهر الأزمة اللبنانية يكمن في مكان آخر تماماً. فمجلس النقد لا يملك أي أداة لمعالجة أزمة القطاع المصرفي وأزمة الودائع، وأزمة المالية العامة. وحذّر المشاركون من هشاشة هذا النظام مستشهدين بتجربة الأرجنتين الكارثية، ومؤكدين أن نجاح أي نظام نقدي يتطلب أولاً حزمة إصلاحات هيكلية، في مقدمتها إعادة هيكلة شاملة للقطاع المصرفي وحسم الخسائر.
من يدير مجلس النقد؟
ومن الأسئلة التي نادراً ما يطرحها المروّجون لمجلس النقد في لبنان: من سيتولى إدارته فعلياً؟ فإذا كان القائمون عليه لبنانيين، يتبادر إلى الأذهان فوراً سؤال "أي صدقية يمكن أن يحملها مجلس بهذه الصرامة إذا أُديرَ بالآلية نفسها التي تُدار بها بقية المؤسسات اللبنانية، من محاصصة في التعيينات إلى تدخّلات سياسية معروفة سلفاً للجميع؟" وإذا كان البديل إشراك أعضاء أو جهات رقابة أجنبية لضمان تلك الصدقية، كما تقترح بعض المدارس الاقتصادية في حالات انعدام الثقة الشديد بالمؤسسات المحلية كما هو الحال في لبنان، فإن ذلك يعني عملياً تسليم جزء من القرار النقدي اللبناني إلى جهات غير لبنانية، وهي مسألة ذات حساسية سيادية وسياسية بالغة الأهمية لم يقدّم أي من المروّجين للفكرة إجابة واضحة عنها حتى الآن.
بين بلغاريا والأرجنتين
أربع دول فقط في العالم تُطبّق حالياً نظام مجلس النقد بشكله الرسمي والمقيَّد بالكامل. وتكاد تكون تجربة الأرجنتين الأبرز بين كل التجارب السابقة، فقد استمرت من 1991 حتى 2001 وانتهت بالفشل بسبب غياب الانضباط المالي.
في المحصّلة، يخلص عدد كبير من الخبراء إلى أن مجلس النقد ينجح حين يرافقه انضباط مالي حقيقي، كما كان الحال في بلغاريا وإستونيا، ويفشل حين يُطبَّق بلا إصلاح مالي وهيكلي مواكب، كما في الأرجنتين. فالتجربتان الأوروبيتان الناجحتان لم تكونا غاية بحد ذاتهما، بل محطة انتقالية أفضت في النهاية إلى التخلي عن مجلس النقد نفسه لصالح اليورو، وهو ما يطرح سؤالاً إضافياً على المروّجين للطرح في لبنان:
هل مجلس النقد المقترح محطة عابرة نحو هدف نقدي أبعد، أم غاية بحد ذاتها بلا أفق واضح لما بعده؟
عزة الحاج حسن - المدن